أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليست السِّمة الشعبية في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي شعارًا تعبويًا عابرًا، ولا زينة لغوية تُضاف إلى الخطاب السياسي، بل هي في جوهرها شرط الوجود الثوري ذاته. فالحزب الذي لا يتجذر في شعبه، ولا يتحول إلى تعبير عضوي عن آلامه وآماله، يفقد مبرر وجوده، مهما بلغت صرامة تنظيمه أو نقاء شعاراته. كما يؤكد الأستاذ ميشيل عفلق، على إن (ليست الجماهير مادة للحزب، بل الحزب هو الصورة الواعية لإرادتها التاريخية).
وكما ورد في بيان المؤتمر القومي الثالث عشر :(يضع الحزب ومعه القوى العربية التحررية في الموقع الذي تمليه عليهم المسؤولية التاريخية لوضع الآليات العملية لاستنهاض المشروع القومي المستند الى تفعيل طاقات الجماهير وقواها الطليعية لبناء جبهة عربية تأخذ على عاتقها التصدي لمشاريع العدوان، عبر إعادة إدخال القضية القومية في قلب الصراع السياسي والاجتماعي اليومي ولبناء ميزان قوى شعبي – سياسي يكون قادراً على وقف مسار التراجع في واقع الأمة وفتح أفق جديد للمسار القومي التحرري).
في النظرية البعثية، الشعب ليس جمهورًا يُخاطَب، بل فاعل تاريخي. ليس كتلة صامتة تُقاد، بل قوة واعية تُحرّر ذاتها بذاتها. من هنا، جاءت السمة الشعبية بوصفها نقيضًا جذريًا لكل نخبوية معزولة، ولكل ثورية مفصولة عن المجتمع. كما أشار الأستاذ ميشيل عفلق:( ليست الجماهير وسيلة للحزب، بل الحزب هو وسيلة الجماهير. (
لكن الإشكال، كما علمتنا التجربة التاريخية، لا يكمن في النظرية، بل في المسافة الخطيرة التي نشأت بين النص والممارسة، بين الفكرة وتجسدها الحي.
أولاً: السِّمة الشعبية في النظرية:( الشعب كذات لا كأداة): في التأسيس الفكري البعثي، تُفهم الشعبية على ثلاثة مستويات جدلية متكاملة:
1. الشعب كقاعدة اجتماعية واعية: أي أن الانتماء للحزب لا يُقاس بالعدد، بل بمدى التحام الحزب بقضايا الفئات الشعبية الكادحة، وبقدرته على التعبير عن مصالحها التاريخية، لا الآنية فقط.
2. الشعب كمصدر للشرعية الثورية: الشرعية لا تُستمد من السلطة، ولا من التاريخ، ولا من التنظيم وحده، بل من قدرة الحزب على أن يكون لسان حال الجماهير في معركة التحرر والوحدة والاشتراكية.
3. الشعب كأفق للتغيير: فالثورة في الفكر البعثي ليست انقلابًا فوقيًا، بل عملية تاريخية طويلة، تتطلب وعيًا جماهيريًا متراكمًا، وتنظيمًا نابعًا من المجتمع لا مفروضًا عليه.
وهذه الرؤية الجدلية تضع البعث في موقف فريد بين نظريات الطليعة الثورية: فهو يرفض كل من النخبوية الانعزالية (التي تجعل من الحزب كهنوتاً ثورياً) والشعبوية السطحية (التي تذوب في المطالب الآنية). إنها معادلة صعبة تتطلب توازناً ديناميكياً بين القيادة الواعية والحركة الشعبية، بين الرؤية الاستراتيجية والاحتياج اليومي.
بهذا المعنى، الشعبية ليست حالة عاطفية، بل بنية سياسية – اجتماعية – ثقافية. وقد أكدت أدبيات حزب البعث، منذ نصوصه التأسيسية وحتى مقررات مؤتمراته القومية، أن الحزب ليس غاية تنظيمية، بل وسيلة تاريخية لتمكين الجماهير من أن تصبح فاعلًا مباشرًا في صنع مصيرها. ففي دستور الحزب يُعرّف البعث بأنه (حركة جماهيرية) قبل أن يكون تنظيمًا سياسيًا، وهو توصيف دقيق لطبيعة السِّمة الشعبية بوصفها شرطًا بنيويًا لا خيارًا تكتيكيًا.
ثانياً: السِّمة الشعبية بين النظرية والتطبيق: اختبار العلاقة الجدلية بين التنظيم والجماهير
تمثل السِّمة الشعبية في الفكر التنظيمي البعثي نواةَ العلاقة الجدلية بين الحزب والأمة، حيث يُعرِّف البعث نفسه ليس ككيان منفصل عن المجتمع، بل كـ (التعبير التنظيمي عن إرادة الأمة) و(الأداة التي تبلور طموحاتها وتنظم طاقاتها). فالنظرية البعثية تنطلق من مبدأ أساسي هو أن الحزب يستمد شرعيته من انغراسه في الواقع الاجتماعي، وانصهاره في قضايا الجماهير، وارتباط مصيره بمصيرها. هذه العلاقة الجدلية تقوم على تفاعل ديناميكي متبادل: فالحزب يستلهم من الجماهير همومَها وطموحاتها، ويُعيد صياغتها في برامج وسياسات، ثم يعود إليها حاملاً مشروع التغيير. أما الجماهير فتشكل المادة الحية للحزب، والميدان الذي يختبر فيه أفكاره، والمصدر الذي يتجدد منه باستمرار.
في حقل التطبيق العملي، تبرز إشكالية حقيقية في كيفية تحويل هذه العلاقة الجدلية النظرية إلى ممارسة يومية مستدامة. فالجدلية الحقيقية تفترض حركيةً دائمةً وتأثيراً متبادلاً لا ينقطع، لكن ضغوط العمل اليومي وتعقيدات المهام التنظيمية والتحولات الاجتماعية قد تؤدي أحياناً إلى انقطاع في هذه الدورة الجدلية، أو إلى تحولها من علاقة تفاعل حيوي إلى علاقة خطية أحادية الاتجاه. هنا يظهر التحدي الأكبر: كيف يحافظ التنظيم على حساسيته تجاه نبض الشارع، وقدرته على فهم التحولات الاجتماعية العميقة، واستجابته السريعة لمتطلبات المرحلة، دون أن يتحول إلى مجرد رد فعل على الأحداث، أو دون أن ينغلق على نفسه في أطر تنظيمية جامدة؟
أحد اختبارات هذه السِّمة يتجلى في قدرة الحزب على تطوير لغته وخطابه بحيث يظل مفهوماً وجاذباً للشرائح الشعبية المختلفة، دون أن يفرط في مبادئه أو يبسّط قضاياه. فاللغة السياسية التي تنفصل عن لغة الناس اليومية تخاطر بخلق فجوة تواصلية، بينما اللغة التي تستسلم تماماً للعامية قد تفقد القدرة على نقل الرؤى الاستراتيجية والمعاني العميقة. النجاح في هذه المعادلة الدقيقة يعني أن الحزب استطاع أن يكون سَبّاقاً في فهمه، وشعبياً في تعبيره، وثورياً في أهدافه.
فإن اختبار السِّمة الشعبية في الممارسة العملية هو اختبار مستمر وحيّ، يعيد طرح سؤال العلاقة بين الطليعة والجماهير في كل مرحلة جديدة. وهو ليس اختباراً نظرياً مجرداً، بل هو ممارسة يومية تظهر في كيفية تعامل الكادر مع الناس، وفي نوعية القرارات التي تتخذ، وفي قدرة الحزب على تجديد دمائه من صفوف الطبقات الشعبية، وفي مدى استمراره كمرآة صادقة لأمال الأمة وآلامها. النجاح في هذا الاختبار يعني استمرار الحيوية الثورية للتنظيم، والفشل فيه يعني التحول التدريجي إلى بيروقراطية منفصلة، حتى لو ظلت تتحدث بأسماء الشعب وعناوينه.
في العراق في ظل الحكم الوطني، بعد 1968، تجلّت السِّمة الشعبية عبر سياسات ملموسة، مثل الإصلاح الزراعي، والحملة الوطنية لمحو الأمية التي خفّضت نسبتها بشكل كبير وفق تقارير اليونسكو خلال السبعينيات والثمانينيات، وتوسيع التعليم المجاني حتى الجامعة، وهي إجراءات ربطت الدولة مباشرة بحياة الفئات الشعبية.
ثالثاً: الإشكال الجوهري: هل نريد شعبًا معنا أم شعبًا يشبهنا؟: هنا يبرز السؤال الفلسفي الأخطر: هل السمة الشعبية تعني أن نُقنع الشعب بأن يلتحق بالحزب؟ أم أن نُعيد صياغة الحزب ليكون انعكاسًا حيًا لتحولات الشعب؟ في الرؤية البعثية الأصيلة، الجواب واضح: الحزب ليس وصيًا على الشعب، بل طليعته الواعية. والطليعة لا تنفصل عن القاعدة، ولا تعلو عليها، بل تتقدمها وهي تنتمي إليها عضويًا. كلما تحولت الطليعة إلى نخبة مغلقة، فقدت سِمتها الشعبية، حتى لو رفعت اسم الشعب في كل خطاب.
وقد تنبّه المؤتمر القومي الثالث عشر للحزب إلى هذا الخلل، فأعاد التأكيد على ضرورة تفعيل العمل الجبهوى والشعبي والنقابي والمهني، بوصفه الإطار الطبيعي الذي تتجسد فيه السِّمة الشعبية خارج الإطار التنظيمي الضيق. فالشعب لا يُختزل في العضوية الحزبية، بل يتموضع في النقابات، والروابط المهنية، والاتحادات، ومنظمات المجتمع الأهلي، وهي المساحات التي دعا المؤتمر إلى الانفتاح عليها بوصفها امتدادًا حيويًا لدور الحزب التاريخي.
رابعاً: السِّمة الشعبية اليوم: استعادة المعنى لا تكرار الشعار: في اللحظة العربية الراهنة، حيث: (تتآكل الطبقات الوسطى، وتتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويُعاد إنتاج التهميش بأشكال جديدة). تصبح السمة الشعبية مسألة وجود أو عدم للمشروع القومي كله. استعادتها لا تكون عبر: توسيع العضوية شكليًا، ولا عبر خطاب عاطفي. بل عبر: الانغراس في قضايا العمل، والبطالة، والهجرة، والعدالة، تجديد الخطاب ليفهم لغة الجيل الجديد، إعادة ربط النضال القومي بالهمّ المعيشي اليومي.
في الواقع السوداني والعربي المعاصر، تظهر هذه الإشكالية بوضوح، حيث أصبحت الفجوة بين الأحزاب والشارع أحد أسباب انفجار الاحتجاجات خارج الأطر الحزبية التقليدية. لم يكن غياب الجماهير عن السياسة، بل غياب الأحزاب عن نبض الجماهير.
خامساً: التحديات المعاصرة واستعادة السمة الشعبية: وتتجلى التحديات المعاصرة في تحول بنيوي عميق يشمل:
1. التحول الديمغرافي والاجتماعي: تغير هيكل الطبقات وتلاشي بعض الفئات التقليدية، وصعود جيل رقمي بمنظومة قيم ومطالب مختلفة.
2. التحول التكنولوجي والاتصالي: تغير ساحات الصراع من الميدان إلى الفضاء الرقمي، وتحول طبيعة التنظيم من الهرمي إلى الشبكي.
3. التحول في طبيعة الصراع: تعقيد الصراع الطبقي وارتباطه بقضايا الهوية والبيئة، وتداخل المستويات المحلية والإقليمية والعالمية.
4. ثورات الشباب وتكنولوجيا التواصل: الجيل الجديد يتواصل عبر منصات رقمية لا تنظيمات هرمية، وخطاب البعث يجب أن يتجدد للتواصل مع لغة هذا الجيل، وحركات الاحتجاج 2011-2021 كشفت عن فجوة بين الأحزاب والشارع.
5. العولمة وتفكيك الطبقات: اختفاء (الطبقة العاملة الصناعية) التقليدية، وصعود (بروليتاريا الخدمات) والمهن غير المستقرة، واحتياج لنظرية جديدة لفهم التشكيلة الطبقية المعاصرة.
6. الهوية والانتماء في زمن التفكيك: صعود الهويات الفرعية (طائفية، عرقية، جهوية)، وتراجع الخطاب القومي الجامع، وكيف يعيد البعث صياغة خطاب يجمع بين الوحدة والتنوع؟ الشعب لا يبحث عن حزب يُلقّنه، بل عن حزب يشبهه، يفهمه، ويتغير معه.
سادساً: الدروس المستفادة عالميًا من تجارب الآخرين، والدروس المستنبطة من واقع الأمة وظرفها النضالي، تشكل معاً وعياً لازماً للتعامل مع تحديّات العصر واستيعاب تعدد المتغيرات: تُؤكد التجارب العالمية الناجحة على أهمية الجمع بين الأصالة التنظيمية والمرونة التكتيكية، حيث أن التمسك بالمبادئ الأساسية لا يتعارض مع التكيف مع المستجدات. كما تُظهر ضرورة الحفاظ على التواصل العضوي مع القواعد الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني كضمانة للاستمرارية والشرعية. من جهة أخرى، يستنبط واقع الأمة النضالي دروساً جوهرية، أبرزها: أهمية تطوير الخطاب السياسي ليكون معبّراً عن هموم الناس اليومية دون التخلي عن الرؤية الاستراتيجية، وضرورة بناء تحالفات أفقية مع القوى الوطنية والتقدمية، وإدارة التوازن الدقيق بين العمل المؤسسي والحراك الشعبي، وأخيراً الاستفادة من التكنولوجيا كأداة للتواصل والتعبئة دون إغفال العمل الميداني المباشر. هذه الدروس المتقاطعة تشكّل وعياً لازماً لأي تنظيم ثوري يسعى للتأثير في مرحلة تشهد تحولات سريعة وتعدداً في مصادر التأثير، حيث يصبح التجديد شرطاً للبقاء، والتكيف ضرورة للتقدم، والربط بين المحلي والعالمي سمةً للنجاح.
سابعاً: الشعبية والعمل الجبهوى: (الإطار العملي لاستعادة المعنى): فإذا كانت السِّمة الشعبية في فكر البعث تعني التحام الحزب بالجماهير لا مخاطبتها من علٍ، فإن الإطار العملي لهذا الالتحام لا يتحقق داخل البنية الحزبية وحدها، بل في المساحات الحية التي يتحرك فيها الناس يوميًا، حيث تتكوّن مصالحهم، وتتشكّل وعيهم، وتُصاغ مطالبهم. من هنا تبرز أهمية العمل الجبهوى والشعبي بوصفه الترجمة الواقعية للشعبية خارج الحدود التنظيمية الضيقة.
النقابات ليست كيانات مطلبية فحسب، بل هي التعبير الطبيعي عن الوعي المهني والاجتماعي للعمال والموظفين. حين ينخرط الحزب في دعم استقلالها، وتطوير دورها، والدفاع عن قضاياها، فإنه لا (يتحالف) مع الجماهير، بل يكون داخلها، جزءًا من حركتها اليومية.
الاتحادات المهنية (الأطباء، المعلمين، المهندسين، المحامين…) تمثل اليوم أحد أهم مراكز تشكيل الرأي العام، وهي ساحات تتجلى فيها قضايا العدالة، والخدمات، وحقوق الناس بصورة مباشرة. العمل داخل هذه الاتحادات هو شكل متقدم من أشكال الشعبية، لأنه يربط الخطاب القومي بالهمّ المعيشي التفصيلي.
الروابط الشبابية تعبّر عن الفئة الأكثر حركة وتأثرًا بالتحولات الاجتماعية والتقنية. الشباب لا ينتظرون خطابًا تقليديًا، بل يبحثون عن فضاءات مشاركة وتأثير. لذلك فإن احتضان المبادرات الشبابية، والأنشطة الثقافية والرياضية والتطوعية، هو مدخل أساسي لاستعادة الشعبية بوصفها علاقة حية لا علاقة وصاية.
أما الفضاء الرقمي الشعبي فقد أصبح اليوم ساحة عامة موازية للشارع. فيه تتشكل الاتجاهات، وتُدار النقاشات، وتُصاغ المواقف. الحضور الواعي والمنظّم في هذا الفضاء لم يعد ترفًا إعلاميًا، بل ضرورة تنظيمية تعكس فهمًا جديدًا لمعنى الجماهير في عصر الشبكات.
بهذا المعنى، لا تُستعاد السِّمة الشعبية عبر توسيع العضوية الشكلية، بل عبر توسيع الحضور الحي للحزب في هذه الأطر الجبهوية والشعبية، حيث يكون بين الناس، لا فوقهم، ومع قضاياهم، لا ناطقًا باسمهم فقط.
ولكي يتحول العمل الجبهوي من شعار إلى ممارسة فاعلة، يحتاج إلى: استراتيجية متكاملة، تجمع بين العمل النقابي، الطلابي، النسوي، البيئي. كوادر متخصصة، تمتلك المعرفة المهنية والتخصصية في كل مجال. وآليات مؤسسية، تضمن استمرارية العمل واستقلاليته النسبية. ورؤية تكاملية، تربط بين القضايا المهنية الخاصة والقضية القومية العامة.
خاتمة: إن اختبار السمة الشعبية اليوم هو اختبار للمشروع البعثي كله في مواجهة أسئلة العصر المصيرية. فالشعبية ليست ذكريات ماضوية عن زمن الالتحام، ولا وعود مستقبلية بالتجديد، بل هي ممارسة راهنة تتجلى في كل قرار، وفي كل موقف، وفي كل حوار مع الناس العاديين في أسواقهم ومصانعهم ومدارسهم. النجاح في هذا الاختبار يعني تجدد المشروع القومي بوصفه تعبيراً حياً عن إرادة الأمة، والفشل فيه يعني تحول البعث من حركة تاريخية إلى ذاكرة منعزلة.

Leave a Reply