الشعبوية حين تلبس قناع “العقلانية”
إبراهيم عيسى بين مطرقة الخوف وسندان اللاجئ السوداني
د. توتا صلاح مبارك
حين يبدأ المثقف في تبرير الخوف بدل تفكيكه، يصبح جزءًا من المشكلة لا شاهدًا عليها، ويتحوّل خطابه من نقد للسلطة إلى أداة من أدواتها، حتى لو أتى بلغة عقلانية ومن اسم معروف، مثل إبراهيم عيسى!
في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُنتج المجتمعات فقط حلولًا أو سياسات؛ بل تُنتج أيضًا خطابات، بعضها يسعى إلى التحليل، وبعضها الآخر يسعى إلى تفريخ الغضب.
الخطاب الذي يصوّر وجود اللاجئين السودانيين في مصر بوصفه «خطرًا ديموغرافيًا» لا ينتمي إلى المجال التحليلي، بل إلى مجال التعبئة السياسية، حيث تتحول الديموغرافيا من علم اجتماعي إلى أداة تخويف، ويتحوّل الإنسان من ضحية حرب إلى متهم بتهديد الدولة.
في العلوم السياسية، لا يُفهم مفهوم «الخطر الديموغرافي» بوصفه توصيفًا محايدًا، بل كجزء من سياسات الخوف. هذا المفهوم يظهر عادة عندما تعجز السلطة عن معالجة أزمات اقتصادية وبنيوية، أو تواجه تراجعًا في الثقة العامة، أو عندما تسعى إلى إعادة تعريف الأزمة. في هذا المنحى، لا يُناقَش اللاجئ بوصفه فردًا له قصة وسياق، بل يُختزل إلى رقم زائد، وكتلة بشرية غامضة، ومصدر تهديد محتمل!
اللاجئون السودانيون في مصر ليسوا سببًا للأزمة الإقليمية، بل أحد إفرازاتها المباشرة. فالخطاب الذي يهاجم اللاجئين يتعمد تجاهل سؤال: مَن صنع الشروط التي أفرزت اللجوء؟
الحرب في السودان لم يشعلها المدنيون، ولا اللاجئون، بل فجرتها نخب عسكرية وسياسية، في سياق إقليمي معقّد، شاركت قوى عدة في دعمه مع صمت دولي متواطئ.
تحميل المدني الهارب من القصف مسؤولية «تغيير ديموغرافي» يمثّل قلبًا فجًّا للعلاقة بين السبب والنتيجة، وتبرئة غير مباشرة للفاعلين الحقيقيين، ونقلًا متعمدًا للصراع من مستوى السلطة إلى مستوى الضحية.
اللاجئون السودانيون في مصر لا يملكون حقوقًا سياسية، ولا أدوات ضغط، ولا حماية قانونية كاملة، ولا حضورًا متكافئًا في المجال الإعلامي. اختيارهم كـ«خطر» ليس صدفة، بل اختيار محسوب، لأنهم الفئة الأسهل شيطنة، والأضعف دفاعًا، والأقل قدرة على الرد، والأسهل ككبش فداء. وهنا لا نكون أمام شجاعة فكرية من استاذ إبراهيم عيسى؛ بل أمام تنمّر سياسي مغلّف بلغة عقلانية ومِن موقع قوة.
اللافت أن هذا النمط من الخطاب الإقصائي من داخل التيار السائد لا يصدر دائمًا عن تيارات هامشية، أو أصوات معروفة بتطرّفها، بل بات يُعاد إنتاجه أحيانًا على يد كُتّاب يعرّفون أنفسهم بوصفهم حداثيين أو ليبراليين، ويشغلون مواقع مؤثرة في المجال الإعلامي العام. في هذه الحالة، تكتسب أطروحة «الخطر الديموغرافي» خطورة مضاعفة، لأنها لا تأتي من خارج التيار السائد، بل من داخله، ويقدَّم بخطاب عقلاني.
الأخطر في هذا الخطاب صدوره من كاتب يقدّم نفسه بوصفه ليبراليًا، حداثيًا، مدافعًا عن حقوق الإنسان.
لكن الليبرالية التي تتبخر عند الاختبار، وتنهار أمام المُخْتلف، وتبرر العقاب الجماعي باسم «الدولة»، ليست ليبرالية، بل نسخة ناعمة من السلطوية.
الخطر هنا لا يكون في الفكرة وحدها، بل في تطبيعها عبر أصوات يُفترض أنها نقدية. الأمر الذي يمنح خطاب الإقصاء شرعية ثقافية، ويحوّله من استثناء إلى رأي مُتَقَبٌل في النقاش العام.
عند تفكيك خطاب «الخطر الديموغرافي» الموجّه ضد اللاجئين السودانيين، يتضح استعارة ذات الأدوات البنيوية والمنطقية لخطاب اليمين الشعبوي الأوروبي خلال العقدين الأخيرين في شيطنة اللاجئين والمهاجرين.
فالأطروحات التي استخدمها سياسيون مثل ماتيو سالفيني في إيطاليا، ومارين لوبان في فرنسا، وحزب البديل من أجل ألمانيا، تقوم على ثلاث ركائز أساسية:
-تصوير اللاجئ كعبء اقتصادي يستهلك الموارد ولا يساهم في إنتاجها.
– ربط الوجود البشري للّاجئين بالتهديد الأمني دون أدلة أو سببية واضحة، واستخدام الديموغرافيا كلغة خوف بدل التعامل معها كعلم اجتماعي تحليلي.
وقد بيّنت دراسات أوروبية عديدة أن تلك الخطابات لا تستند إلى وقائع، بل تتكئ على إدراك اجتماعي مُصنَّع، تُغذّيه وسائل الإعلام والخطاب السياسي في أوقات الأزمات الاقتصادية وتراجع الثقة في الدولة.
التجربة قدّمت مثالًا واضحًا على قصور مردود هذا المسار.
فالخطاب الذي يربط اللاجئين بالتهديد الاقتصادي والأمني لم يؤدِّ إلى حل أزمات الهجرة؛ بل كَرٌسَ تصاعد جرائم الكراهية، تآكل قيم التصالح، وتوسيع صلاحيات الدولة على حساب الحقوق الفردية.
استدعاء ذات المنط في السياق المصري لا يمثّل «خصوصية وطنية»، بل يُمَثِل استيرادًا متأخرًا لخطاب ثبت فشله أخلاقيًا وسياسيًا.
أيضاً يُستدعى التاريخ المصري – السوداني أحيانًا لتبرير خطاب الإقصاء، لكن قراءة جادة للتاريخ تكشف غير ذلك، فمصر نفسها كانت خاضعة للاستعمار حين شاركت شكليًا في إدارة السودان. فالحدود الحديثة هي نتاج استعماري، لا تعبير عن «هوية صافية». وحركة البشر في وادي النيل سابقة على الدولة القومية ذاتها.
استخدام التاريخ هنا ليس تحليلًا، بل تزويرًا انتقائيًا لخدمة سردية معاصرة قائمة على الخوف.
تجليات مثل هذا الخطاب الإقصائي من الاستاذ إبراهيم عيسى وغيره، فعليًا لا يحل أزمة اقتصادية، لا يخلق فرص عمل، ولا يخفف ضغطًا على الخدمات، لكنه يفعل شيئًا واحدًا بامتياز: يُطبّع الكراهية، ويُشرعن الإقصاء، ويمهّد لتوسيع عنف رمزي ثم مادي.
اللاجئون هم الحلقة الأضعف اليوم، لكن التاريخ يعلّمنا أن منطق الإقصاء لا يمتد طويلًا.
الدولة التي تبني سرديتها على تخويف مجتمعها من النازحين، هي دولة فقدت الثقة في قدرتها على الإقناع، فلجأت إلى التخويف.
أما الخطاب الذي يبرر ذلك، وإن التحف العقلانية أو الوطنية، هو خطاب انزلاق فكري، يؤسس لتطبيع العنصرية تحت لافتة الوطنية. وكلُُ مَن يعرف التاريخ، يُدرك أن العنف لا يتوقف عند «الآخر» طويلًا.

Leave a Reply