د. أحمد الليثي
ليس الجهلُ هو العدوَّ الأكبر للعقل، فالجاهل يعرف حدوده ويُدرك ثغرات معرفته، ولذلك يظلّ بابُ التعلّم مفتوحًا أمامه.
لكنّ الخطر الحقيقي يكمن في ذلك النوع الخفيّ من “الجهل المتقن” الذي يتخفّى تحت ستار المعرفة: الوهم.
الوهمُ لا يقول لصاحبه: “أنت لا تعرف”، بل يهمس له بثقةٍ زائفة: “لقد فهمت”. وهنا يبدأ الانحدار.
فالإنسان الذي يمتلك قليلًا من المعرفة، مجرد شذرات متناثرة، قد يتوهّم أنه بلغ قمّة الفهم، فيتحدث بجرأة، ويحكم بقطع، ويختزل التعقيدات في جمل قصيرة، وكأن الحقيقة صفحة واحدة لا تحتاج إلا إلى نظرةٍ عابرة.
في عصرٍ تتسارع فيه المعلومات وتتبخر فيه المعاني، صار وهمُ المعرفة أكثر فتكًا من الجهل البسيط.
يكفي أن يشاهد المرء مقطعًا قصيرًا، أو يقرأ منشورًا سطحيًا، ليظنّ أنه خبير. تكفي “معلومة عابرة” دون سياق لتبني ثقةً من ورق، تتهاوى عند أوّل امتحانٍ حقيقي.
وأسوأ ما في وهم المعرفة أنّه يغلق نوافذ السؤال. فالمرء حين يقتنع بأنه يعرف، يتوقف عن الشك، وعن البحث، وعن الإصغاء لمن هم أعمق منه.
وهكذا يتحوّل الوهم إلى جدارٍ يمنع النور، ويصبح قليلُ العلم عبئًا على صاحبه وعلى من حوله.
ولذلك قيل: “وهمُ المعرفة.. هو الجهل الذي يتنكّر بملابس الحكمة”.
ليس المطلوب أن نعرف كثيرًا، بل أن نعرف بعمق، وأن نُدرك حدود ما نعرف.
لأن العقل لا يكبر باليقين، بل بالدهشة.
ولا ينضج بالادّعاء، بل بالتواضع.
والإنسان الذي يعترف بنقصه، أقرب للحقيقة من الذي يتوهّم الكمال وهو لم يقطع من الطريق إلا خطوة.
في النهاية، يبقى الفارق بين العاقل والمتكلّم الفارغ بسيطًا للغاية:
الأول يعرف أنه لا يعرف كل شيء.. والثاني لا يعرف أنه لا يعرف.
#ملف_الهدف_الثقافي #وهم_المعرفة #الجهل_المتقن #التواضع_المعرفي

Leave a Reply