ح.رب تلد أخرى

صحيفة الهدف

عبد المنعم مختار

لم تولد الح.روب يومًا من أزيز الرصاص، بل من الشرارة الأولى التي تشتعل في الوعي قبل أن تحرق الأرض. فالح.رب، في جوهرها، ليست سوى إعادة تشكيلٍ للعقل الإنساني بحيث يرى جاره عدوًا، ويرى العنف ضرورة، ويرى الطاعة خلاصًا. وهذا ما فعلته كل الح.روب الأهلية التي عرفها العالم؛ من رواندا إلى الولايات المتحدة وإسبانيا، وصولًا إلى مأساتنا السودانية الراهنة.

في رواندا، ظلّت السواطير صامتة حتى هيّأ الإعلام النفوس لعنفٍ لا يعود معه الإنسان إنسانًا. كانت صحيفة Kangura وإذاعة RTLM منصّتين لإعادة صياغة الوعي: تحويل التوتسي إلى “صراصير”، وجعل الإبادة مشروعًا وطنيًا. هناك تعلّم العالم أن الكلمة يمكن أن تُدار كما تُدار المدافع، وأن التحريض حين يتلبّس لغة الشعب يصبح أقوى من أي جيش.

وفي الولايات المتحدة، حين اندلعت الح.رب الأهلية، لم يكن الانقسام حول العبودية اقتصاديًا فحسب؛ بل كان انقسامًا في المعنى، في تعريف الإنسان. أما الح.رب الإسبانية فكانت ذروة ما يمكن أن يفعله الاستقطاب حين يتغذى على الخوف؛ ح.رب أنجبت قمعًا ومعتقلات وق.صفًا مروّعًا مثل مأساة غرنيكا التي جسّدها بيكاسو كصرخة ضد انحطاط الوعي قبل انحطاط السلوك.

وفي السودان، يُعاد المشهد بمخيلة جديدة وجرائم أشد فظاعة. فقد ارتكبت قوات الدعم السريع سلسلة من الجرائم التي تقشعر لها الأبدان: نهبٌ منظّم، اغتصابٌ جماعي، حرق القرى، ترويع الآمنين، ومق.تل الوالي في دارفور بطريقة تماثل جرائم الإبادة في التاريخ. جرائم لا صلة لها بقيم أهل السودان ولا موروثهم الأخلاقي، ولا بأعراف الح.روب التي كانت تحمي الأسير والطفل والعجوز والممتلكات.

لكن الصورة لا تكتمل دون الاعتراف بأن الضفة الأخرى ارتكبت هي أيضًا فظائع لا تقل خطرًا: ق.تل خارج القانون، ممارسات “البراءون” و”العمل الخاص”، قطع رؤوس وبقر بطون وتمثيل بالأجساد، استخدام البراميل المتفجرة لاستهداف مدنيين، وربما أسلحة محظورة. كلا الطرفين أسهما في صناعة جرحٍ لا يتّسع له جسد الوطن، جرحٍ لا يشبه السودانيين ولا تاريخهم الممتد من السلم الأهلي إلى حماية الضعيف.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد ح.رب سياسية، بل شرخٌ في الضمير الجمعي. وحين يُستباح الإنسان، يصبح الوطن كله في مهبّ الريح.

والخروج من هذا الجحيم يبدأ باستعادة الوعي الذي سُرق؛ بأن ندرك أن الح.رب تلد أخرى ما لم نكسر هذه السلسلة، وما لم نُعِد الاعتبار لقيمنا الراسخة: الكرامة، والتسامح، واحترام الحياة. فالثقافة ليست ترفًا في زمن الح.رب، بل هي آخر ما يحفظ ما تبقّى من إنسانيتنا.

#ملف_الهدف_الثقافي #ح.رب_تلد_أخرى #الوعي_المسروق #جرائم_السودان #الضمير_الجمعي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.