يشهد المشهد الإقليمي الراهن، ولا سيما في مفاصل التحولات الكبرى التي تجسدها دلالات شهر تشرين الأول، منعطفات تاريخية تعيد رسم خرائط النفوذ والصراع في المشرق العربي. فعلى وقع صمود الشعوب وحيويتها المتمثلة في نبض عواصمها ومناطق صمودها، تتكشف تدريجياً هشاشة المشاريع الأيديولوجية المغلقة والعابرة للحدود. فمن جهة، يواجه مشروع “ولاية الفقيه” وأذرعه الوظيفية أزمة بنيوية وعميقة أثبتت عجز هذه الشبكات عن حماية مجتمعاتها، مفككةً سردية الممانعة الوهمية لصالح أجندات إقليمية بحتة. ومن جهة أخرى، يصطدم المشروع التوراتي والصهيوني الاستيطاني بمأزق وجودي وأخلاقي غير مسبوق في مواجهة إرادة شعبية صلبة ترفض الاستسلام لواقع الهيمنة والتهجير.
هذا التراجع المزدوج يفرض قراءة موضوعية لطبيعة المرحلة، مبرهناً أن حيوية الأمة العربية الحية تبقى هي البوصلة الأكثر ثباتاً في إعادة توجيه دفة التاريخ نحو الدولة الوطنية المستقلة.
أولاً: أزمة “الأذرع” وتآكل مشروع ولاية الفقيه:
قام النموذج الإيراني منذ نشأته على تصدير الأزمة الداخلية عبر بناء شبكة من الميليشيات والتشكيلات المسلحة خارج الحدود (في العراق، لبنان، اليمن، وفلسطين، وسورية)، مستغلاً الهشاشة السياسية والطائفية. غير أن الواقع الميداني والسياسي أثبت عدداً من الحقائق الأكاديمية والموضوعية:
1-أزمة الشرعية السياسية: لقد أثبتت التجربة أن هذه الأذرع تعمل كخط دفاع متقدم عن مصالح طهران الاستراتيجية وليس عن قضايا الشعوب الوطنية، مما خلق فجوة عميقة بين هذه التشكيلات وحواضنها الشعبية التي تئن تحت وطأة الانهيار الاقتصادي وغياب التنمية.
2-العجز الاستراتيجي والتآكل العسكري: إن الضربات الموجعة التي تلقتها هذه الأذرع كشفت عن هشاشة هيكلية في بنيتها أمام التفوق التكنولوجي والاستخباراتي، وأكدت أن استراتيجية “حروب الوكالة” باتت عبئاً استراتيجياً يفوق قدرة المركز على التحمل، فضلاً عن السقوط الأخلاقي والسياسي لهذه القوى حين تحولت إلى أدوات قمع داخلي ضد تطلعات شعوبها الساعية للحرية والسيادة.
ثانياً: مأزق المشروع التوراتي الصهيوني في مواجهة الحيوية الشعبية:
في المقابل، يعاني المشروع التوراتي الصهيوني – القائم على التوسع، والاستيطان، وفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة – من أزمة وجودية لا تقل عمقاً. فبرغم الدعم العسكري والسياسي المطلق، اصطدم المشروع الصهيوني بصخرة الإرادة الشعبية الواعية في فلسطين ولبنان والمنطقة:
1-أزمة الردع والوجود: لقد أظهرت متغيرات الواقع أن الكيان الإسرائيلي بات يعيش في أزمة أمن قومي مزمنة، حيث فشلت العقيدة العسكرية التقليدية في حسم الصراعات أو توفير الأمن المستدام لمجتمع مستوطن يعيش تحت هاجس التهديد الوجودي المستمر.
2-السقوط الأخلاقي العالمي: تكشف التحولات الراهنة عن عزلة سياسية وأخلاقية غير مسبوقة للمشروع الصهيوني في المحافل الدولية، حيث سقطت السرديات التوراتية والتاريخية المؤسسة للاحتلال أمام عدسة الحقيقة ووحشية الممارسات على الأرض.
إن التصدع المتسارع الذي تصاب به أذرع الهيمنة الإقليمية والانحسار التكتيكي والاستراتيجي للمشروع التوراتي الصهيوني يعكسان حقيقة جوهرية: وهي أن المشاريع القائمة على الاستئصال، وحروب الوكالة، والسيطرة الفوقية لا يمكن أن تمنح استقراراً مستداماً على حساب تطلعات الشعوب.
إن التراجع المزدوج لكل من مشروع الهيمنة الإقليمية عبر الميليشيات، والمشروع التوراتي الاستيطاني، يفتح الباب أمام قراءة واقعية تؤكد أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يُبنى إلا على أنقاض هذه المشاريع الاستئصالية. إن حيوية الشعوب الحية في عواصم المشرق تثبت أن البديل الحقيقي يكمن في استعادة الدولة الوطنية المدنية، القائمة على المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، بعيداً عن الوصايات الخارجية والمشاريع الأيديولوجية العابرة للوطنية التي لم تلبس سوى ثوب الخراب والدمار.
ثالثاً: ديناميكيات الحراك الشعبي والسياسي في المشرق العربي:
تشير الأدبيات السياسية والسوسيولوجية إلى أن الحراك الشعبي في الفضاء العربي، وإن مرّ بمراحل من الكمون أو التراجع المؤقت نتيجة ضغوط البنيات السلطوية والظروف الإقليمية المعقدة، إلا أنه يمتلك طاقة ديناميكية كامنة تتجدد تصاعدياً كلما تفاقمت الأزمات البنيوية. ولا ينفجر هذا الحراك بمعزل عن السياقات الموضوعية، بل يستند إلى تراكمات نضالية طويلة ومخزون تعبوي يتبلور عملياً متى توفرت شروط الانفجار الذاتية والميدانية. وتبرز في هذا السياق حالات تطبيقية بارزة تعكس تجليات هذا النبض الشعبي والسياسي، لاسيما في الساحتين العراقية والفلسطينية.
1-الحراك الشبابي الاحتجاجي في العراق: استمرارية الزخم ورهانات التغيير:
يمثل استدعاء الذاكرة الاحتجاجية لـ “انتفاضة تشرين” (أكتوبر 2019) محطة مركزية في مسار الحركات الاجتماعية المعاصرة في العراق. فقد عبرت الفعاليات الشعبية عن استمرارية النبض الاحتجاجي الرافض لدوائر الهيمنة السياسية والفساد الإداري، وقد تجسد ذلك ميدانياً في الحشود الواسعة التي توافدت إلى ساحة التحرير في بغداد، واتساع رقعة الاحتجاج لتشمل محافظات حيوية مثل البصرة جنوباً.
يؤكد هذا التجدد الاحتجاجي أن الحركات الشبابية في العراق قد انتقلت من مرحلة الاحتجاج العفوي إلى حالة من الوعي التنظيمي الكموني؛ حيث تعيد شبكات الشباب إنتاج آليات الاحتجاج السلمي مستفيدة من إخفاقات المنظومة السياسية في تلبية المطالب الاقتصادية والخدمية الأساسية، مما يجعل الشارع طاقة ضغط دائمة لا يمكن احتواؤها كلياً بالتدابير الأمنية أو التسويات المؤقتة.
2-الديناميكيات النضالية والسياسية في فلسطين: تقاطع المقاومة الميدانية والعمل السياسي:
على الصعيد الفلسطيني، وفي ظل استمرار السياسات العدوانية وتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة، تصاعدت حالة الغضب الشعبي لتأخذ أشكالاً ميدانية مباشرة، مثل المواجهات في مدينة الخليل والعمليات الفردية والمتقطعة التي انطلقت من مخيم جنين ومناطق أخرى، مما يعكس فشل استراتيجيات الردع العسكري الاحتلالي في كسر الإرادة الشعبية.
إلى جانب الفعل الميداني، يبرز تحول استراتيجي في مسار التعامل مع البنيات السياسية القائمة داخل الأراضي المحتلة؛ إذ يسعى الفاعل الفلسطيني والتمثيلات الشعبية إلى توظيف الآليات المتاحة داخل مؤسسات الداخل (كالانتخابات وتعبئة الأصوات العربية) كأداة ضغط استراتيجية تهدف إلى تفكيك سياسات حكومات اليمين المتطرف وإرباك مشاريعها الإقصائية.
تعكس الحالة الفلسطينية تكاملاً معقداً بين أشكال المقاومة الميدانية الشعبية وبين العمل السياسي المؤسساتي. فهذا التنوع في أدوات المواجهة يثبت قدرة المجتمع الفلسطيني على إدارة الصراع على جبهات متعددة، متجاوزاً حالة الاستقطاب التقليدي نحو استراتيجيات استنزاف سياسي وميداني تهدف إلى تقويض مشروعات الاستيطان والتهويد من الداخل والخارج على حد سواء.
خاتمة
إن حيوية النبض العربي في ساحات المواجهة تؤكد يوماً بعد يوم أن البديل الحقيقي يكمن في استعادة مفهوم الدولة الوطنية المدنية، القائمة على المواطنة وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية. واجتثاث التدخل الأجنبي أو تقليصه مرحلياً إلى حدوده الدنيا، وحماية القرار السيادي الوطني كهدف استراتيجي، المتفاعل إيجاباً مع مشروع عربي متكامل بحلقاته السياسية والاقتصادية والعسكرية، كمشروع قادر على ملء الفراغ القومي في مواجهة المشاريع الإقليمية والدولية، وحامِ لمشروع تقوية مرتكزات الدولة الدولة الوطنية.
وإن تشرين الأول، بمدلوله الرمزي والتاريخي، يبقى شاهدًا حيًا على أن إرادة الشعوب هي القوة الوحيدة القادرة على إسقاط المشاريع المتآكلة، وصياغة مستقبل يليق بتاريخ الأمة وحقها الأبدي في الحياة والسيادة والكرامة.

Leave a Reply