صفاء الزين
تحتفظ الذاكرة الإنسانية بما يتجاوز حدود الوقائع والأحداث؛ فثمة لحظات تاريخية لا تنتهي بانقضاء زمنها، وإنما تظل حية في الوجدان، تستعيدها الأجيال كلما استدعت الحاجة معانيها. وللفن قدرة استثنائية على منح هذه اللحظات حياة أخرى، فهو لا يكتفي بتوثيق الحدث، بل يعيد تشكيله في الوعي الجمعي، ويمنحه صوراً وأصواتاً قادرة على مقاومة النسيان. وفي السودان، ظلت الأغنية إحدى أهم الوسائل التي عبّر بها الشعب عن أحلامه في الحرية، ومقاومته للاستبداد، وتطلعه إلى وطن يسع الجميع.
أرى أن أكتوبر 1964 أكثر حضوراً في الذاكرة الغنائية الكلاسيكية المشتركة، لكن ذلك لا يعني أن انتفاضتي أبريل 1985 وديسمبر 2018 كانتا أفقر فنياً، أو أقل قدرة على إنتاج تعبير إبداعي مؤثر. الفارق، في تقديري، يتعلق بكيفية تشكّل الذاكرة الفنية لكل ثورة، وبطبيعة المجال الثقافي الذي احتضنها، والوسائط التي نقلت أعمالها.
جاءت أكتوبر في لحظة تاريخية كان فيها الفضاء الثقافي السوداني أكثر مركزية، حيث الإذاعة والمسرح والحفلات العامة والصحافة، إلى جانب الشعراء والملحنين والمطربين ذوي الحضور الواسع. وقد ساعد ذلك على انتقال الأغنية من مناسبة سياسية محددة إلى الوجدان العام، ثم استمرارها في التداول عبر الأجيال.
في هذا السياق، اكتسبت أعمال مثل «الملحمة»، التي كتبها هاشم صديق ولحنها وغناها محمد الأمين، مكانة تتجاوز حدود التوثيق الفني للثورة. فقد أصبحت جزءاً من الصورة التي يستحضر بها السودانيون أكتوبر، ونصاً غنائياً يعيد المجتمع من خلاله رواية تجربته مع الاستبداد والمقاومة والحرية.
كما امتلكت أكتوبر أسبقية تاريخية مهمة؛ فالحدث الذي يؤسس نموذجاً جديداً في الوعي العام يمتلك فرصة لصناعة قاموسه الخاص وصوره المرجعية. وقد أصبحت أكتوبر النموذج الذي استدعى السودانيون من خلاله فكرة قدرة الشعب على إسقاط الحكم العسكري بالمقاومة المدنية والإضراب السياسي. ومن هنا، دخلت أبريل إلى ذاكرة تشكّلت أصلاً تحت تأثير النموذج الأكتوبري، دون أن يعني ذلك انتقاصاً من تجربتها أو إرثها الفني.
أما ديسمبر، فأختلف مع الفرضية التي تفترض أنها لم تنتج أعمالاً قادرة على البقاء. فقد شهدت انفجاراً إبداعياً واسعاً، شارك فيه الشعراء والمطربون والشباب والنساء، وتنوعت أشكال التعبير بين الأغنية والهتاف والراندوك والراب والريغي والقصيدة والجداريات.
ولم يكن هذا التنوع مجرد اختلاف في الألحان أو وسائل النشر، وإنما عكس تحولاً في هوية منتجي التعبير السياسي أنفسهم. فلم يعد إنتاج الأغنية محصوراً في عدد محدود من الفنانين والمؤسسات، بل أصبح بإمكان مجموعات واسعة من المواطنين المشاركة في صياغة الذاكرة الثورية.
وربما كان اتساع الإبداع في ديسمبر أحد أسباب عدم تمركز ذاكرتها حول عمل واحد بحجم «الملحمة». فقد توزعت التجربة على منصات ووسائط متعددة، بينما استفادت ذاكرة أكتوبر من مركزية الإنتاج والتوزيع.
ولا ينبغي الخلط بين مركزية الذاكرة وثرائها. فالأغنية التي تنتشر في لحظة الثورة قد لا تتحول فوراً إلى عمل كلاسيكي تتوارثه الأجيال. كما أن ديسمبر ما زالت أقرب زمنياً، ولم تحصل على المسافة التاريخية التي تسمح بالحكم النهائي على موقع أعمالها الفنية.
ويكتسب الزمن أهمية خاصة هنا؛ فقد امتلكت أغنيات أكتوبر ستة عقود من إعادة التداول والاستدعاء، بينما جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتضرب الشروط الاجتماعية والثقافية التي كان يمكن أن تساعد على ترسيخ ذاكرة ديسمبر، وشتتت الفنانين والجمهور، وألحقت أضراراً بالمؤسسات الثقافية.
إن خلود الأغنية الثورية لا يصنعه جمال اللحن والكلمات وحدهما، وإنما يتأثر أيضاً بقدرة المجتمع على حفظها وتوثيقها وإعادة تقديمها. لذلك، فإن مسؤوليتنا اليوم تتجاوز مقارنة ديسمبر بأكتوبر أو أبريل، إلى حماية الإرث الفني لديسمبر، وتوثيق أغنياتها وهتافاتها وجدارياتها وقصائدها.
أكتوبر حفظت جزءاً كبيراً من ذاكرتها في كلاسيكيات غنائية مشتركة، بينما صنعت ديسمبر ذاكرتها عبر أصوات ومنصات وأشكال تعبير متعددة. والفارق بينهما لا يتعلق بثورة غنّت وأخرى صمتت، وإنما باختلاف السياقات التي أنتجت الفن، والشروط التي تسمح بتحويله إلى تراث وطني متوارث.

Leave a Reply