قراءة في قصيدة «عودة الشيخ» للشاعر محي الدين الفاتح (2)

صحيفة الهدف

م. هيثم الشفيع

يواصل الشاعر رحلته في وصف ثورة أكتوبر وما تلاها، مؤرخاً للحقبة الأهم في تاريخ البلاد السياسي، فيقول:
{قبل ما يربو على الخمسين عام
كان أن نحن التقينا ذات مرة
كان أن جئتَ فمزّقتَ الظلام
كنت في الأرض السلام وعلى الناس المسرة
من فجاج الأرض جئتَ من قُرانا
من بوادينا ومن عزم المدينة.
لكَ فينا الجند والحراس والأعوان والأشياع
والمنبر والقلعة والدار الحصينة
كنتَ فينا كانتفاض القطر عن ريش الحمام
كرذاذ الروح في وهج الكلام
كنتَ شعباً كنتَ ثورة
كنتَ فينا أغنيات طلقات الوجه حرة
كنتَ حسناً بعد حسرة
فرحة نابعة من كل قلب أثر فرحة
نحن أسرى لقد لقيناكَ وجرحى
مرحباً يا شيخنا الأخضر مرحى}
ولكم غنّت لك بالبشر بلادي:
{باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني
والحقول امتلأت قمحاً ووعداً وتمني
والكنوز انفتحت من داخل الأرض تنادي
باسمك الشعب انتصر حائط السجن انكسر
والقيود انسدلت جدلة عرس في الأيادي}
ولكم أعجبني إقحام جزء من الأغنية المعروفة للراحل العظيم محمد وردي في النص، وبشكل سلس جداً، ثم بصورة مختصرة دون إخلال، نقل الشاعر تصوير تلك الفترة من عمر الحياة السودانية.
ثم يواصل تأريخه موضحاً ما حدث بعد سقوط العسكر ونجاح الثورة، فيقول:
{غير أنّا ابتلعنا دهشة كل نشيد
إذ نرى وجهك تخفيه غيابات الكلام
وهو يمضي في تجاويف الظلام
فلقد آب الجراد
أطفأ الأحلام في المهد
فلا أصبح صبحٌ لا تغني لا تمني
لا ولا وعدٌ وقمح
وحصدنا الأسف المورق في وقت الحصاد
جدلة العرس استحالت لقيود في الأيادي
ثم لما في سنين المدلهمة
حمل المصباح في الظلمة أعمى في بلادي
لم يكن جمعاً ولكن كان طرحاً كان قسمة
قريتي كانت تنام الليل ملء الجفن تحلم اتحادي
ثم تصحو حزب أمة}
موضحاً فشل النخبة السياسية في إدارة تلك الفترة والوصول بالبلاد إلى بر الأمان، حتى سقوط البلاد مرة أخرى في قاع الانقلابات العسكرية.
وتمضي القصيدة واصفةً ما حدث في مايو والتقلبات التي صاحبتها، وتمر بسرعة على ثورة أبريل دون الخوض في تفاصيل أو أحداث، ثم يبدأ الفصل الأهم في تاريخ السودان الحديث، وهو الانقضاض الإسلاموعسكري على السلطة.
وقد أعجبني وصفه القائل:
{ومضى في الأرض طابور الأفاعي والثعالب
وغدا يختال فيها كل ذي ناب طويل ومخالب}
وهو، في ظني، أبلغ تصوير لما حدث في تلك الفترة، وظل يحدث حتى الآن، رغم استرساله في الوصف، والذي استعان فيه بالأنشودة التي درسناها في الابتدائي عن الثعلب والديك، واضعاً الإسلامويين في مكان الثعلب، والشعب السوداني مكان الديك.
القصيدة بشكل عام قدمت، برأيي المتواضع، تلخيصاً بديعاً لما حدث في السودان بعد الاستقلال، جاعلةً من نفسها أول ما يخطر على بالي حين يكون الحديث عن شهر أكتوبر أو ثورة أكتوبر.
لأختم مقالي هذا بما ختم به الشاعر محي الدين الفاتح قصيدته، فاتحاً أبواب الأمل لسودان تشرق فيه الشمس مرة أخرى، فقال:
{مدهشٌ أن شجر يمشي ولكني لا أراه
قادماً من كل بيت
وإذا ما أطبق الليل سيأتي
إنه الوعد الذي ينتظر الأرض ولا شيء سواه
إنه الوعد الذي تنتظر الأرض ولا شيء سواه
إنه الوعد ولا شيء سواه}
تلك كانت سياحة سريعة في قصيدة «عودة الشيخ»، ركزت فيها على النص أكثر من تحليله ومحاولة نقده، وذلك كما أسلفت لإعجابي الشديد به.
ملاحظة توثيقية: القصيدة مبذولة على الإنترنت، كتابةً وفي شكل فيديوهات من حلقات تلفزيونية، لكنني لاحظت أنني لم أعثر على نص كتابي كامل لها، وغالبية الجهات التي أوردتها، إن لم تكن جميعها، تبدأ توثيقها من قوله: «جفّ فيك اللون غارت في محاجرها العيون».

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.