دفتر الحضور

صحيفة الهدف

د. أشرف مبارك
(القلم معلق بخيط إلى طاولة من خشب عتيق، كطائر مكسور الجناح لا يطير إلا حيث يُرخى له الخيط. وحين تُطوِّقُه الأصابع، لا تمسك القلم وحده، إنما تمسك الدبارة التي تربطه ومصيرا مكتوبا بالرصاص.)
جالت في نفسه ذكرى تلك المرة، قبل نيف وعشرين عاما. حاول أن يتنفس بهدوء وأن يسترخي، لكن الذاكرة لا تستأذن، والأماكن التي نظن أننا غادرناها قد تظل كامنة فينا، تنتظر رائحة أو صوتا أو صورة أو حتى ارتجاج سيارة كي تنهض.
كان الصباح يتردد، ضوءا يستأذن قبل أن يقع على الأرض، ينفض عنها أثر نوم المدينة. تلف به السيارة في شوارع بعضها يضيق بالمارة وبعضها ليس فيها سوى الصدى. ذلك ما كان يشعر به رغم العصابة التي تغطي عينيه.
كان طراز السيارة يدل على أنها ليست سيارة عادية. زجاجها معتم، وأبوابها تغلق كما تغلق الأحكام. ورغم أن الزمن باتت تسيطر فيه الأطباق الفضائية وشبكة العنكبوت وتبث أجهزة التلفاز أصواتا أبعد من حدود السلطان ظلت مثل هذه السيارات تحتفظ بأسرارها القديمة. ما زالت تجول في نفسه ذكرى تلك المرة. لم يكن يعرف أن للأماكن ذاكرة أطول من ذاكرة البشر وأن بعض الأبواب، مهما ابتعد عنها المرء، تظل مواربة في داخله رغما عنه. تذكر الدفتر، والتوقيع صباحا ومساء، والأيام التي يحصيها بخطين لا يملكان من أمره شيئا. أغمض عينيه خلف العصابة. لم يكن بحاجة إليها كي لا يرى. كان يتمنى أن ينتهي هذا الأمر سريعا فاليوم مباراة فرنسا والأرجنتين.. مباراة قوية.
تتثاءب البوابة الحديدية بصريرها، وتبتلع السيارة صاعدة. بعدها هبط كل شيء الى سكون عميق. هذا الفناء يعرفه. كأنه لم تمر كل هذه السنوات. فناء تتفرق فيه ظلال تتحرك بلا حركة. ووقع أقدام عسكرية تشطر الهواء وتقهر السكون. الزمن هنا لا يقاس بالدقائق والساعات، بل بالخطوات.
الممر طويل. على جانبيه رجال لا يتكلمون، لكن أنفاسهم تسبقهم، فتلسع وجهه كما تلسع السموم في ذلك الصيف. رائحة أجساد وقهوة بردت. لم يقل أحد شيئا، ولم يحتج أحد إلى الكلام. كأنهم اتفقوا في صمت على أن يفهم المرء لماذا هو هنا دون أن يُقال له.
رُفعت العصابة عن عينيه. مكتب نظيف، مكيف. خلف الطاولة رجل في منتصف الأربعينيات، ملامحه حادة لا حاجة بعدها لتهديد. نظر إليه من فوق إلى تحت، ثم قال بصوت لا يحمل سؤالا فقط، بل يحمل الجواب:
– أليس عيبا؟ جاوزت الخمسين وقريب من الستين وما زلت في غيك وتصنع الحكايات؟ ظنناك لن تأتي مجددا. عد إلى عيادتك، وخذ رسوم الكشف من المرضى واملأ جيبك.. انشغل بعلاج مرضاك… أنتم… ما أنتم إلا أسباب.
لم يُجب. ليس لأن الكلمات لم تصله، بل لأن الكلمة هنا توزن بميزان غير الذي تعلمته.
ساد صمت لثواني وفجأة التفت وقال:
– اليوم فرنسا والارجنتين. هل تشاهد كأس العالم؟ إنه في روسيا…
وأومأ برأسه إيماءة ذات مغزى.
أخذوه.
الغرفة التالية صغيرة، تسبقها رائحتها. فيها رجال ينتظرون، ولكل واحد جردل. واحد يقضي فيه حاجته، وآخر فيه ماء قليل للشرب والوضوء ولأشياء أخرى لا تقال. جلسوا جميعا على الأرض.
في المساء أعيد إلى المكتب نفسه، غير أنه صار غرفة نوم. جيء بسرير مرتب، ووسادة، وجدران لا تنظر. عناية بترتيب المكان لا تليق به. فهم. يهتمون بأن ينام الجسد، لا حبا في راحته، لكن حتى تُطرح عليه أسئلة لا يحبها. وتبعد الصمت والبرود في من في الغرفة الأخرى. يدرك أن السرير أشد قسوة من افتراش الأرض، ففي الغرفة الأخرى تستيقظ الشكوك.
في الصباح عاد الرجل الأربعيني. نظر إليه طويلا، ثم قال ببرود كالصقيع:
– ستسمع الكلام؟
أومأ. لم يكن للسؤال غير إجابة واحدة.
عادت إليه الصورة في تلك المرة والرجل الأربعيني كان في مقتبل عمره يقف خلف كرسي رجل أربعيني آخر كان يقول:
– صباحا ومساء. حضور وانصراف.
في تلك المرة، صار يحضر إليهم في اليوم مرتين للتوقيع. يطالع اسمه في دفتر لا أحد يعرف لماذا وُجد. توقيعان في اليوم، توقيع كان يكتب للمريض بعد أن يفحصه طبيب يحمل اسما لا لقب وراءه. ذلك الطبيب كان قد اشترى بأول راتب، ستة آلاف كاملة، كتابا واحدا في الطب. واليوم راتبه لا يشتري الكتاب. لم تكن الأطباق تحتكر السماء. كانت المونديالات تذاع عبر أجهزة تلفاز صغيرة وكان روماريو وببيتو ويكيني يملأون البيوت أكثر مما يملؤها وزير.
شطب اللقب دكتور. قصد التخلي عن اسم أو ينال احتراما؟ لم يكن هذا ولا ذاك. لقد كانت الكلمة جزءا من الثمن الذي يدفعه كي يظل واقفا. أراد أن يعيد اسمه إلى شكله الأول. إلى ما قبل أن تؤخذ أقواله. لكنهم منعوه. لا يمكن أن يكون لا أحد. فالذي لا يُسمى لا يوقع.
(كل صباح كان يطوق القلم المعلق بأنامله ويوقع. في الأعلى خط يثبت أنه حضر، وفي الأسفل خط يثبت أن انصرف. وما بين الخطين يمر يوم كامل لا يُكتب في دفتر غير هذا ولا يمر عليه غير القلم.
يوقع ويعود
يوقع ويعود
والقلم لا يكتب إلا المطلوب. وهو منذ أن محا اللقب صار الخط الذي يوقع به القلم.
خطٌ في أعلى الصفحة، وخطٌ في أسفلها، وبينهما عمرٌ يُقدّر ولا يُعاش.)

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.