فخر الدين حسب الله
وددتُ لو أنني كتبت عن الحياة المتخيَّلة لأحمد القرشي طه، لو أن الرصاصة لم تصبه في ذلك اليوم من أكتوبر 1964، ولو أُتيح له أن يمضي في حياته على نحوٍ طبيعي، يتخرّج في الجامعة، ويتزوّج، ويؤسّس أسرة، ويعيش حتى يومنا هذا، وقد بلغ الثمانين من عمره، شيخوخةً هادئة في قرية القراصة، وحوله لفيف من أحفاده، على ضفاف النيل الأبيض، يسقي حديقة منزله داخل حوشٍ واسع، ويستعيد في ذاكرته حكايات العمر وتقلباته.
لكنني انصرفتُ عن تلك الحياة المتخيَّلة إلى مقاربةٍ بين أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وديسمبر 2019؛ محاولاً قراءة ما يجمع هذه الثورات الثلاث، وما يفصل بينها، وما حملته من مضامين اجتماعية وثقافية، وما أفضت إليه من تحولات سياسية.
في أكتوبر 1964، كان مقتل أحمد القرشي طه، الطالب بجامعة الخرطوم، لحظةً مفصلية في انتقال الاحتجاجات إلى انتفاضة شعبية أسقطت نظام عبود. كان العنف، مقارنةً بما شهدناه في ديسمبر 2019، أقل اتساعاً ودموية، وإن لم تكن تلك التجربة خاليةً من المواجهات والتضحيات. وقد اكتسب القرشي رمزيةً تجاوزت شخصه، ليصبح شهيداً للحرية وذاكرةً مؤسسةً في الوجدان السياسي السوداني. ولم تكن أكتوبر مجرد تغيير في السلطة، بل مثّلت أيضاً تعبيراً عن دور الطلاب والمثقفين والمهنيين والنقابات في صناعة المجال العام، وعن إمكان التقاء فئات اجتماعية مختلفة حول مطلب الحرية.
أما أبريل 1985، فقد جاءت في سياق أزمة اقتصادية وسياسية خانقة، واتساع الاحتجاجات والإضرابات، لتؤكد مجدداً قدرة النقابات والمهنيين والقوى المدنية على تعبئة الشارع. لكنها، مثل أكتوبر، لم تنجح في تحويل الانتصار الشعبي إلى تحول ديمقراطي مستدام. فقد ظلت البنية الاجتماعية والسياسية التي أنتجت الأزمات قائمة، وعادت الانقسامات الحزبية والصراعات على السلطة لتضيّق أفق التجربة الديمقراطية.
وجاءت ثورة ديسمبر 2019 في سياق اجتماعي مختلف؛ إذ اتسعت المشاركة الشعبية، وتقدّم الشباب والنساء ولجان الأحياء، وبرزت شعارات الحرية والسلام والعدالة بوصفها مطالب تتجاوز إسقاط النظام إلى إعادة تعريف الدولة وعلاقتها بالمجتمع. كما كشفت الثورة عن عمق التفاوتات الإقليمية والاجتماعية، وعن تطلعات أجيال لم تعد تقبل احتكار السلطة والثروة، أو اختزال المواطنة في الولاء السياسي والأيديولوجي. وكانت كلفة القمع باهظة، إذ سقط شهداء كثيرون، وأصبح العنف أحد أبرز ملامح الصراع حول مستقبل الثورة.
ومع ذلك، فإن المقارنة تكشف مفارقةً مؤلمة: اتسعت المضامين الاجتماعية للثورات، وتطورت مطالبها من استعادة الديمقراطية إلى بناء دولة المواطنة والعدالة والسلام، لكن نتائجها ظلت دون مستوى تطلعاتها. فإسقاط الأنظمة لم يكن كافياً لتفكيك البنى التي تعيد إنتاج الاستبداد، أو لإنهاء عسكرة السياسة، أو لتأسيس مؤسسات ديمقراطية راسخة.
وربما أسرعتُ، في ختام هذه المقاربة، إلى نتيجةٍ تبدو متشائمة بأننا، رغم تضحيات الأجيال المتعاقبة، لم ننجح بعد في بلوغ الغايات التي خرج الناس من أجلها. بقيت أحلام الثورات أكبر من نتائجها، وبقي السؤال مفتوحاً: لماذا عجزنا عن تحويل لحظات الانتصار الشعبي إلى مشروع وطني مستدام، يعيد بناء الدولة، ويصون الحريات، ويضمن المساواة والعدالة؟
لعل الإجابة تبدأ من إدراك أن الثورة ليست لحظة إسقاط النظام فحسب، بل عملية اجتماعية وثقافية طويلة، تتطلب توافقاً على طبيعة الدولة، وعلى حقوق المواطنة، وعلى قواعد تداول السلطة. فهل نتعلم أخيراً من أكتوبر وأبريل وديسمبر أن انتصار الشارع لا يكتمل إلا على فكرة إعادة تأسيس الدولة لتحمي أحلامه، ولا تعيد إنتاج أسباب ثورته؟

Leave a Reply