لما يطلّ في فجرنا ظالم

صحيفة الهدف

عبدالمنعم مختار

الكل يتفق أن نشيد «الملحمة» التي كتب كلماتها الشاعر هاشم صديق، ولحّنها الفنان الأستاذ محمد الأمين «الباشكاتب»، وشارك في أدائها بجانب أبو الأمين الأستاذ خليل إسماعيل، والأستاذ عثمان مصطفى، وأم بلينا السنوسي، كورال من طالبات مدارس المليك وطلاب مدرسة المؤتمر الثانوية بأم درمان، ليس مجرد نشيد يوثّق لثورة أكتوبر 1964؛ إنها وصية مفتوحة للشعب السوداني، تختصر علاقة الشارع بالحرية، وتؤكد أن الثورات لا تنتهي بإسقاط الطغاة، بل تظل يقظةً في وجه كل استبداد يتجدّد. ومنذ أن صدحت بها الأصوات الشابة، استمدّت الملحمة خلودها من عبقرية كلماتها وألحانها وأدائها الجماعي، ومن قدرتها على استحضار الشارع كلما أطلّ الظلم بوجه جديد، مما حدا بالقوى الواعية إلى رفع شعارات تدعو لكنس آثار كل ديكتاتورية بعد إسقاطها.

وبلغت الملحمة ذروة عبقريتها في مقطعها الختامي:

«ولسّه بنقسم يا أكتوبر
لما يطلّ في فجرنا ظالم
نحمي شعار الثورة نقاوم
نبقى صفوف تمتدّ وتهتف
لما يعود الفجر الحالم».

هنا لا يستدعي هاشم صديق أكتوبر بوصفها ذكرى، بل يجعلها فعلًا متجددًا ومقاومةً لا تعرف التقاعد. وعبارة «لما يطلّ في فجرنا ظالم» وحدها تختصر تاريخًا من الانقلابات وخيبات الانتقال؛ فالظالم قد يتغيّر اسمه وشعاره، لكن واجب الشعب لا يتغيّر. أما «نبقى صفوفًا» فليست مجرد صورة شعرية، بل وصفة سياسية لاستعادة وحدة الشارع، وتجاوز الانقسامات التي يتغذّى عليها الاستبداد.

لقد جاء نميري بانقلاب مايو 1969، ثم أحكمت الجبهة الإسلامية قبضتها على البلاد بانقلاب الإنقاذ عام 1989، بقيادة عمر البشير. وفي 25 أكتوبر 2021، انقلب البرهان على المسار الانتقالي، قبل أن تنفجر حرب 15 أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، فتدفع البلاد إلى كارثة إنسانية مدمرة، ويصبح المدنيون وقودًا لصراع السلطة والسلاح. وبين هذه المحطات، ظلّ سؤال أكتوبر قائمًا: كيف نحمي الثورة من الذين يسرقون اسمها، ثم يصادرون أحلامها؟

ولعلّ من أبرز دروس التاريخ ميثاق الدفاع عن الديمقراطية، الذي وقّعته القوى الوطنية بميدان المدرسة الأهلية بأم درمان عقب انتفاضة أبريل 1985 وسقوط نظام نميري؛ فقد مثّل محاولةً لتحصين التجربة الديمقراطية ومنع عودة الاستبداد. لكن التاريخ أثبت أن إسقاط الديكتاتور لا يكفي، ما لم تُبنَ مؤسسات تحمي الديمقراطية وتمنع احتكار السلطة.

اليوم، وسط خراب الحرب وتشريد الملايين وتمزّق النسيج الوطني، تستعيد الملحمة معناها الأكثر إلحاحًا: لا خلاص بالاستبداد، ولا مستقبل ببنادق المتحاربين، ولا فجر بلا سلام وعدالة ودولة مدنية ديمقراطية.

«لما يطلّ في فجرنا ظالم»؛ تلك ليست نهاية أغنية، بل بداية عهدٍ جديد من المقاومة، وعهدٌ يذكّرنا بأن أكتوبر ليست ماضيًا نغنّيه، وإنما مسؤولية نحملها حتى يعود الفجر الحالم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.