هدى العليش
هنالك ثورات يصنعها الرجال، وثورات تحرسها النساء. وفي السودان، لم تكن المرأة يوماً على هامش الحكاية، بل كانت هي الحكاية.
من هتاف أكتوبر الأول إلى زغرودة ديسمبر الأخيرة، ظل صوت المرأة هو الذي يعلن بداية الموكب ونهاية الخوف وموته دون أن تخرج له جنازة؛ لذلك نسميهن «أكتوبريات»، نساء يحملن أكتوبر في قلوبهن كلما خرج شعب وانتفض.
1- أكتوبر 1964: المرأة في قلب مواكب الوطن
لم تكن ثورة أكتوبر مجرد إسقاط لحكم الفريق إبراهيم عبود، بل كانت أول ثورة اجتماعية حقيقية، بشعور وطني بطعم مختلف في السودان المستقل؛ ثورة أطاحت بنظام كامل. ومن قلبها برز الاتحاد النسائي السوداني كقوة ضاربة.
نساء أكتوبر من قلب الوطن
قادت الرائدة فاطمة أحمد إبراهيم، ومن معها من الأكتوبريات، المظاهرات ضد النظام العسكري، وحشد الاتحاد النسائي النساء حولهن في قوة ضاغطة تنزل إلى الشوارع بأعداد كبيرة، غيّرت ملامح الشعور الوطني الخجول إلى حراك جريء منح النساء فرصة للتعبير عن مطالبهن بصوت نسائي يطالب بحقوقهن.
بهذا الملمح الجديد، صدر قانون الانتخابات عام 1965، الذي أعطى النساء حق الترشح، وفازت الرائدة فاطمة أحمد إبراهيم، لتصبح أول امرأة سودانية تدخل البرلمان عن دوائر الخريجين.
وخدوا دي كمان!
جاءت توصية لجنة الأجور عام 1965 بمبدأ الأجر المتساوي للعمل للرجل والمرأة، وطُبّق في الطب والتمريض والتدريس، ثم عُمّم عام 1972.
هنا يتجسد المبدأ: «النساء شقائق الرجال».
وتأتي الرائدة محاسن محمد عبد العال، التي تشرفت بأن اخترقت الرصاصة قدمها في تظاهرة ثورة أكتوبر 1964. حظيت بشرف الإصابة بالرصاصة ثمناً للنضال، وهذا أبلغ ما يوصف به الشعور الوطني العظيم.
2- المرأة في أبريل 1985: النقابات والانتفاضة
في انتفاضة مارس–أبريل 1985 ضد نميري، كانت مشاركة النساء في الأحزاب السياسية ملحوظة، وكن عضوات ناشطات في النقابات المهنية واتحادات العمال التي قادت الاحتجاجات والإضرابات حتى سقوط النظام.
أكتوبر علّمت، وأبريل أكدت أن لا إضراب ناجحاً دون المعلمات والطبيبات والممرضات.
3- ديسمبر 2018–2019: الكنداكات… الثورة أنثى
إذا كان أكتوبر قد أنجب الاتحاد النسائي، فإن ديسمبر أنجب الكنداكة.
هنا اكتملت ملامح الثورة بلون المرأة السودانية وحضورها الكبير ومشاركتها الواضحة. توسعت المشاركة، وتجاوزت نسبة النساء 70%، حسب تقديرات مبادرة «لا لقهر النساء»، فكان الميلاد الجديد والتحدي الأكبر.
خرجت النساء إلى الساحات، ومن براحات إلى براحات أرحب، بحرية وثقة عاشتها كل امرأة خرجت في موكب، مساندةً ومواكبةً، تتصدى وتهتف في وجه من يريد أن يسلب حقها ويقمعها ويكبّل حرياتها. نادت، لا من وراء حجاب، معلنةً ومفرجةً عن ميلادها الجديد، وهي تطلق زغرودة انطلاق تملأ الشوارع.
كنداكات
كلمة «كنداكة» قديمة قِدم حضارة السودان، لكن الميلاد الجديد والمهام الجديدة جدّدا معناها وغيّرا دورها.
لم تقتصر وظيفة الكنداكة على تشجيع الثوار وإسعاف المصابين، بل تقدمت المواكب، ولم تبدأ إلا بعد سماع زغرودة تشعل حماس الثائرين.
كانت تكشف معلومات العدو، وتؤوي الثوار من بطش الأمن، وتشارك بفاعلية في اعتصام القيادة العامة، بصوت عالٍ جهوري.
نالت نصيبها من التعذيب والاعتقال، ورغم الاستشهاد والتحرش بها بهدف إرهابها، ظلت صامدة كـ«امرأة نخلة».
أيقونات عصية على النسيان
ست النفور أحمد بكار، التي ظلت تخرج إلى المواكب حتى استشهادها.
رفقة عبد الرحمن، «صائدة البمبان».
شجن سليمان، التي كتبت العبارات المحفزة بيد سودانية وقلم وطني جريء.
آلاء صالح، التي ارتدت الثوب الأبيض، فأصبحت مثالاً للحرية السودانية ورمزاً للسلام والفلكلور السوداني.
لماذا كل هذا الإصرار؟
لأن المرأة تضررت من نظام الإنقاذ، فخرجت وهتفت.
4- مشاعر أكتوبر… لماذا أكتوبريات؟
«باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني…»
مشاعر أكتوبر لا تُترجم بأغنية أو لحن يُردَّد، بل هي شعور وطني جياش يقبض على قلب كل وطني غيور، وكل حر أبي لا يقبل الظلم، ولا يهون عليه وطن عاش فيه وملأ قلبه سلاماً وطمأنينة؛ إنه شعور ذلك الهتاف الذي يخرج من القلب قبل اللسان.
لذلك نقول إن الأكتوبريات هن وارثات روح مندي بت السلطان عجبنا، التي قاتلت الإنجليز ورضيعها على ظهرها، ومهيرة بت عبود، ورابحة الكنانية، اللاتي قدّمن أروع البطولات والمشاركات في تاريخ السودان. فظلت أسماؤهن حاضرة تُذكر كلما ذُكر النضال النسوي.
أسماء عادت أرواحهن بقوة وتجسدت في بنات ونساء السودان، ليقفن كتفاً بكتف مع الرجال، ويسطرن التاريخ من جديد.
فكان الميلاد الجديد والتحدي، وكان حضور المرأة تجلياً لدورها وصمودها وقوتها الضاربة؛ خلّدت أشجع البطولات وضربت أروع الأمثال للأجيال القادمة.
عاش السودان، وعاشت حواء بلادي السودانية العظيمة.
«بناتك عيونن صفاهن سما، وهيبة رجالك بتسند قفاك…»
أكتوبر
ود مدني
2026

Leave a Reply