أكتوبر 1964.. ديسمبر 2018 في ميزان التاريخ: (الشارع السوداني والجيش على مفترق طرق)

صحيفة الهدف

د. جمال سر الختم

يُشكّل السودان نموذجاً فريداً في قدرة شعبه المتجددة على كسر طوق الشمولية؛ إذ تقف ثورة 21 أكتوبر 1964 وثورة 19 ديسمبر 2018 كأبرز محطتين أطاحتا بالأنظمة العسكرية والشرطية عبر ملحميتي عصيان مدني جارف. رغم تشابه الغايات، اختلفت المآلات والنتائج بفارق البنيات السياسية والعسكرية.

في أكتوبر 1964، انطلقت الشرارة من جامعة الخرطوم احتجاجاً على قضية الجنوب، لتقودها (جبهة الهيئات) من نقابات ومهنيين وطلاب. امتلك الجيش آنذاك عقيدة مهنية بحتة وخالية من الميليشيات الموازية، فرفض قادته إراقة الدم وسلّموا السلطة فوراً لحكومة مدنية انتقالية بعد أيام معدودة من الإضراب الشامل الذي قاده عمال السكة الحديد، لتُولد «الديمقراطية الثانية». لكن صراعات القوى التقليدية واليسارية، وأزمة الجنوب، وانقسام البرلمان بحل الحزب الشيوعي، مهّدت الطريق أمام انقلاب جعفر نميري عام 1969.

وعلى الطرف الآخر، جاءت ثورة ديسمبر 2018 من عطبرة والرصيرص ضد الضائقة الاقتصادية، لتقودها شبكات أفقية تمثلت في (تجمع المهنيين) ولجان المقاومة. واجه النظام المخلوع هذه الثورة بعنف مفرط، وبمنظومة أمنية معقدة وميليشيات موازية كالدعم السريع، مما جعل تفكيك السلطة أشد تعقيداً. ورغم نجاح العصيان المدني الواسع، لا سيما عقب مجزرة فض الاعتصام في يونيو 2019، في إجبار العسكر على الشراكة عبر (الوثيقة الدستورية)، إلا أن طبيعة المؤسسة العسكرية وتشبثها بمفاصل القرار أجهضا التجربة بانقلاب أكتوبر 2021، ليتحول الصراع لاحقاً إلى حرب مدمرة في أبريل 2023.

مقارنة سريعة بين التجربتين:

القيادة والأداة: اعتمدت 1964 على مركزية نقابية صارمة شلّت شريان السكة الحديد خلال أيام، بينما اعتمدت 2018 على مقاومة شبكية لامركزية واجهت قطع الإنترنت وقمع السلطة عبر الإضراب والخدمات.

سلوك الجيش: انحاز جيش 1964 للشارع وعاد للثكنات، بينما أبقى عسكر 2018 على هيمنتهم السياسية والاقتصادية ضمن شراكة هشة.

المآل: انتهت الأولى بانقلاب بعد سنوات من الديمقراطية الهشة، بينما دخلت الثانية في أتون حرب أهلية طاحنة.

تبقى الدروس المستفادة واضحة؛ إسقاط الطغيان ليس سوى الخطوة الأولى، بينما حراسة التحول الديمقراطي وبناء جيش مهني موحد هما الضمانة الوحيدة لعدم انزلاق السودان مجدداً نحو دوامة الانكسار.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.