كاسك يا وطن.. ضاع الوطن

صحيفة الهدف

يوسف الغوث

تتشابك نصوص المبدع السوري محمد الماغوط مع نبض الشارع العربي في وشيجة إبداعية لا تنفصم، حيث كان الهاجس الأكبر في جوهر نصوصه هو الخوف السرمدي من اللحظة الفاجعة التي تضيع فيها الأوطان خلف ركام الشعارات الجوفاء ويسقط الإنسان في فخاخ الغربة والفساد…
ففي مسرحية كاسك يا وطن يذرف البطل دموعًا حارقة على وطن يتشظى في حانات الوجع والفقر بينما ينتهي الأمر في نص المهرج إلى بيع صقر قريش في ظل تاريخ مثقل بالهزائم والنكبات…
عندما تلقفت فرقة الأصدقاء المسرحية في الخرطوم هذا النص وأعادت صياغته بروح سودانية خالصة لم يكن الأمر مجرد اقتباس فني عابر بل كان استشرافًا شعريًا مبكرًا من المبدع السوداني بأن الوجع الإنساني واحد وبأن بذرة التمزق والشتات تملك قدرة مرعبة على النمو في أي أرض تقمع فيها حرية الكلمة وتغيب فيها شمس العقل والوعي يتجلى هذا البعد الفلسفي في صدمة التاريخ عندما يواجه مأساة الحاضر الممعن في التمزق…
ففي النسخة السودانية من المهرج يستيقظ القائد التاريخي عبد الرحمن الداخل ليجد واقعًا مثقلًا بالانكسار ولو قدر لهذا الرمز أن يستيقظ اليوم في ربوع السودان لصُدم بفاجعة تفوق حدود الخيال والوصف، حيث لم تكتف الحرب الضروس بتدمير البنية التحتية والمؤسسات المادية فحسب بل امتدت يدها الآثمة لتهشيم الهوية وجرف الذاكرة الوطنية بشكل مباشر، ليتجسد ما حذرت منه المسرحيتان رمزيًا في واقع عيان نعيشه اليوم بمرارة بالغة…
لقد تحولت الخرطوم عاصمة الثقافة ومنبع الوعي ومسرح أم درمان القومي الذي شهد إبداع فرقة الأصدقاء إلى ساحة حرب منسية يعزف فيها أزيز الرصاص لحن الفراق، ليشرد الملايين من ديارهم بعد أن هُجّروا من وطن ابتلعته ألسنة النيران….
المدهش في الأمر أن النصان ينصهرا في البعدان الفني والواقعي، حيث يعيدا إنتاج التغريبة السودانية من أرصفة الفن المسرحي إلى طوابير المعاناة واللجوء يتطبق الأمر ذاته في كاسك يا وطن من حيث وصف حالة المواطن المقهور الذي يفقد عائلته ثم يضطر لبيع فلذات كبده ليشتري البقاء…
إن هذه السوداوية المطلقة والنزعة التشاؤمية الحادة التي رُميت بالمبالغة والتهويل في سبعينات القرن العشرين باتت اليوم واقعًا وحقيقة دامغة تكتوي بها ملايين الأنفس السودانية، فالمهرج الذي كان ينثر الفرح والضحكات فوق خشبة المسرح القومي ليدق ناقوس الخطر ويناقش قضايا أمته الكبرى يجد نفسه اليوم شأنه شأن كثير من المبدعين إما نازحًا يتلمس الأمان في الولايات الداخلية أو لاجئًا غريبًا على أعتاب دول الجوار يبكي وطنًا يتشظى ويتآكل أمام ناظريه..
يصل الضياع إلى ذروته التراجيدية عندما يتحول بيع صقر قريش في المسرحية إلى تفتيت حقيقي للجسد السوداني وتدمير لمعالمه التراثية والتاريخية فهذه النهاية الفاجعة لبيع الرمز التاريخي تتجسد في الواقع المعاصر من خلال تقديم المصالح الضيقة والنزاعات المسلحة المستمرة على حساب تمزيق النسيج الاجتماعي والوطني، فلم يعد الفقد فكرة مجردة تُقرأ في بطون الكتب، بل صار واقعًا ملموسًا في نهب المتاحف وحرق المكتبات الجامعية الكبرى التي توثق حضارة السودان، وكأن الحرب في وحشيتها تريد محو الهوية التاريخية من الذاكرة الحية تمامًا وإعلان الهزيمة الكاملة أمام قوى الجهل والخراب، ليبقى الكأس المرفوع في نهاية كاسك يا وطن غصة حزن تملأ الحلق وتذكرنا بأن الفن يظل الشاهد الحي الأخير.
الآن ورغم صمت المسارح تحت وطأة المأساة فإن روح المهرج الثائرة تظل تقاوم العدم وتؤكد أن الوعي بضرورة استعادة الوطن ولم شمله هو الخطوة الأولى لكي لا يضيع المبتدأ والمنتهى إلى الأبد….

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.