البطالة العربية: من أزمة اقتصادية إلى قنبلة موقوتة

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

ليس أخطر على أي مجتمع من أن ينتج عقولاً ثم يعجز عن توظيفها، وأن ينفق على تعليم أبنائه ثم يتركهم في دهاليز الانتظار، وأن يزرع فيهم طموحات النهضة ثم يصادر حقهم في المشاركة في بنائها. فالبطالة، في عمقها، ليست مجرد مؤشر اقتصادي، وليست مجرد رقم في تقارير المنظمات الدولية، بل هي انعكاس لخلل وجودي في علاقة الفرد بوطنه، وفي علاقة الدولة بمشروعها التنموي، وفي علاقة المجتمع بمستقبله.

وحين تشير تقارير منظمة العمل العربية إلى أن نسبة العاطلين عن العمل في الوطن العربي تبلغ 12.7% من إجمالي قوة العمل، وأن خريجي الجامعات يشكلون 30% من العاطلين، فإن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي صورة مكثفة لأزمة تنموية عميقة، تختزل في داخلها أسئلة عن التعليم، والاقتصاد، والسياسة، والعدالة الاجتماعية، وعن مستقبل أمة بات شبابها ينتظر ساعات العمل كما ينتظر ساعات العمر.

في هذا المقال، نحاول أن نقرأ ظاهرة البطالة العربية قراءة لا تقف عند السطح، بل تنزل إلى الجذور الفلسفية والاقتصادية والاجتماعية، سائلين: لماذا يعجز الوطن العربي عن توظيف أبنائه؟ ولماذا تتفاقم البطالة بين خريجي الجامعات تحديداً؟ وما هو الفرق بين ملامح الأزمة في الدول النفطية وغير النفطية؟ وكيف تحولت البطالة من مشكلة اقتصادية إلى قنبلة اجتماعية موقوتة انفجرت في ثورات وحراكات شعبية؟

أولاً: البطالة ليست أزمة أرقام، بل أزمة وجود

عندما نتحدث عن 12.7% من قوة العمل العربية عاطلين عن العمل، فإننا نتحدث عن ملايين البشر الذين يبدأون يومهم بسؤال مؤلم: ماذا سأفعل اليوم؟ وعن ملايين الأسر التي ترى أحلامها تتلاشى مع كل شهر يمر دون وظيفة. وعن ملايين الشباب الذين دخلوا الجامعات حاملين طموحاتهم، فخرجوا منها حاملين شهادات لا تجد من يستقبلها.

لكن الأخطر من ذلك، هو ما تخفيه هذه النسبة من بطالة مقنعة، أي أولئك الذين يعملون في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، أو في قطاعات هامشية لا تستثمر قدراتهم، أو يمارسون أعمالاً غير منتظمة لا توفر لهم دخلاً ثابتاً ولا كرامة مهنية. وهؤلاء، رغم أنهم لا يظهرون في إحصاءات العاطلين، فإنهم يعيشون ذات المعاناة، بل قد تكون معاناتهم أعمق، لأنهم يعملون ولا يجدون، ويبذلون الجهد ولا يجنون ثماره.

إن البطالة في الوطن العربي ليست مجرد فجوة بين عدد الوظائف المتاحة وعدد الباحثين عنها، بل هي أزمة بنيوية تتصل بطبيعة النمو الاقتصادي نفسه. فالنمو الذي لا يخلق وظائف، والنمو الذي يعتمد على الريع أكثر من الإنتاج، والنمو الذي يستورد العمالة بدلاً من توظيف المحلية، هو نمو ينتج ثروات لكنه ينتج أيضاً بطالة، ويزيد الفجوات دون أن يسدها.

ثانياً: أزمة الخريجين وفجوة التعليم

من أكثر المفارقات إيلاماً في الواقع العربي أن خريجي الجامعات يشكلون 30% من العاطلين عن العمل. فالمجتمعات العربية أنفقت على تعليم هؤلاء، وخصصت لهم سنوات من الجهد والموارد، ثم تخرجوا ليجدوا أنفسهم في مواجهة سوق عمل لا يحتاج إلى تخصصاتهم، أو لا يستوعب أعدادهم، أو لا يقدر طموحاتهم.

وهنا يبرز سؤال عميق: لماذا تنتج جامعاتنا خريجين لا يحتاجهم سوق العمل؟ ولماذا تستمر في تخريج آلاف من حملة الشهادات في تخصصات لا تجد فرصها، بينما تعاني قطاعات حيوية من نقص حاد في الكفاءات؟

الإجابة لا تقتصر على فشل المناهج، أو ضعف التخطيط التعليمي، بل تمتد إلى فجوة أعمق بين ما تنتجه المؤسسة التعليمية وما يحتاجه الاقتصاد الوطني. ففي كثير من الدول العربية، ظل التعليم العالي منفصلاً عن متطلبات التنمية، يعيد إنتاج نفسه دون أن يسأل: لمن نُخرّج هؤلاء؟ ولأي مستقبل نُعدهم؟

والأكثر إيلاماً، أن المجتمعات العربية لم تستطع أن توفر لخريجيها فرصاً تليق بشهاداتهم، فتجد المهندس يقود سيارة أجرة، والطبيب يعمل في محل تجاري، والأستاذ الجامعي يهاجر ليعمل في وظيفة لا تتناسب مع خبراته. وهذه ليست مجرد خسارة فردية، بل هي خسارة وطنية، لأنها تعني أن الدولة أنفقت على تعليم كفاءات ثم تركتها تهدر أو تهاجر.

ثالثاً: الدول النفطية والدول غير النفطية.. نموذجان لأزمة واحدة

رغم وحدة الظاهرة، تختلف ملامح البطالة بين الدول العربية النفطية والدول غير النفطية، لكن الفروق قد تكون أقل مما يظن البعض.

  • في الدول النفطية: تعتمد اقتصاداتها على الإيرادات النفطية، وهذا يخلق وضعاً متناقضاً، فهي تمتلك ثروات هائلة، لكنها تستورد العمالة الأجنبية لتشغيل قطاعاتها الإنتاجية والخدمية، بينما يعاني مواطنوها من بطالة مقنعة، أو من تردد في الالتحاق بقطاعات يعتبرونها أقل مكانة. وتتفاقم المشكلة حين تنخفض أسعار النفط، فتتقلص فرص التوظيف في القطاع الحكومي، وتزداد الضغوط على سوق العمل.

  • في الدول غير النفطية: تعاني هذه الدول من ضعف الاستثمار، وتراجع النمو الاقتصادي، وغياب سياسات تشغيلية فعالة، وتزايد أعداد الخريجين سنوياً دون أن يرافق ذلك نمو في فرص العمل. وتكون البطالة هنا أكثر حدة، وأكثر تأثيراً في استقرار المجتمع، لأنها تترافق مع فقر مدقع، وتراجع في الخدمات، وهجرة للكفاءات.

لكن ما يجمع النموذجين، هو أن كلاهما يعكس أزمة هيكلية في العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع، وبين الموارد البشرية والتنمية. فالدول النفطية، رغم ثرواتها، لم تستطع تحويل الريع إلى تنمية مستدامة تخلق وظائف للمواطنين. والدول غير النفطية، رغم حاجتها الماسة للتنمية، لم تستطع جذب استثمارات كافية، أو بناء اقتصاد منتج قادر على امتصاص العمالة المتزايدة.

رابعاً: البطالة والحراك الشعبي

لعل الأكثر إثارة للقلق، هو العلاقة بين البطالة والحراك الشعبي الذي شهدته المنطقة العربية منذ عام 2011. فالثورات والانتفاضات التي اجابت الوطن العربي لم تكن انفجارات سياسية فقط، بل كانت تعبيراً عن أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، كانت البطالة أحد أبرز مظاهرها.

فالشباب العربي، الذي يشكل أكثر من ثلث العاطلين عن العمل، هو نفسه الشباب الذي قاد ثورات 2011، وهو نفسه الشباب الذي خرج في انتفاضات 2018 و2019 في السودان والجزائر ولبنان والعراق. وهذا ليس صدفة، بل هو انعكاس لحقيقة أن الشباب العاطل عن العمل، الذي يشعر بأن مستقبله مسروق، وحلمه مؤجل، وطاقته مهدرة، هو أكثر الفئات استعداداً للاحتجاج، وأكثرها جرأة على المواجهة، وأكثرها تطلعاً للتغيير.

فالبطالة، عندما تترافق مع شعور بالظلم، ومع إحساس بأن الفرص مسروقة، ومع وعي بأن الأنظمة فشلت في توفير أبسط الحقوق، تتحول من أزمة اقتصادية إلى قنبلة موقوتة. وهي قنبلة لا تنفجر فجأة، بل تنمو في صمت، ثم تنفجر في الشوارع، لتذكر الأنظمة بأن بقاءها مرهون بقدرتها على توفير حياة كريمة للمواطنين، وليس فقط بجهازها الأمني أو بخطابها السياسي.

خامساً: نحو مقاربة جديدة للبطالة العربية

إذا كانت البطالة العربية أزمة بنيوية، فإن حلها يتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على سياسات تشغيلية مؤقتة، وإنما تمتد إلى إعادة هيكلة العلاقة بين التعليم الاقتصاد، وبين الدولة والسوق، وبين المواطن والتنمية، وذلك عبر عدة محاور رئيسية:

  1. ربط التعليم بالتنمية: فلا يمكن الاستمرار في تخريج آلاف من حملة الشهادات دون دراسة احتياجات سوق العمل، ودون توجيه الطلاب نحو التخصصات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني، ودون تطوير المناهج لتواكب متغيرات العصر.

  2. تحفيز القطاع الخاص: فالقطاع الخاص هو المحرك الأساسي لخلق فرص العمل، لكنه يحتاج إلى بيئة استثمارية جاذبة، وإلى قوانين تحمي المستثمر والعامل معاً، وإلى تمويل ميسر للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

  3. مكافحة الفساد: فالفساد يقتل فرص العمل، لأنه يضعف الاقتصاد، ويطرد الاستثمار، ويخلق بيئة غير عادلة تفضل المحسوبية على الكفاءة.

  4. تشجيع ريادة الأعمال: فبدلاً من انتظار الوظائف الحكومية، ينبغي تشجيع الشباب على إنشاء مشروعاتهم الخاصة، وتوفير الدعم الفني والمالي لهم، وتحويلهم من باحثين عن عمل إلى صانعين له.

  5. إعادة النظر في مفهوم “العمل اللائق”: فليس كل عمل يمنح كرامة، وليس كل وظيفة تحقق طموحاً. والمجتمعات العربية تحتاج إلى إعادة تعريف العمل، بحيث يصبح وسيلة لتحقيق الذات، وليس مجرد وسيلة للبقاء.

خاتمة: في النهاية، تظل البطالة العربية قضية وجودية، لأنها تتعلق بمستقبل أمة، وبكرامة ملايين البشر، وباستقرار مجتمعات بأكملها. وهي ليست مشكلة الشباب وحدهم، بل هي مشكلة الآباء الذين يرون أحلامهم تضيع، ومشكلة الأمهات اللواتي يرين أبناءهن ينتظرون، ومشكلة المجتمعات التي تشعر بأن مستقبلها يتآكل مع كل خريج لا يجد وظيفة، ومع كل شاب يهاجر بحثاً عن فرصة، ومع كل طموح يُسحق تحت وطأة الانتظار.

إن البطالة العربية، كما تشير الأرقام والتقارير، ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل هي قنبلة موقوتة. لكن القنابل، حين تنفجر، قد تدمر، وقد تنير أيضاً طريقاً جديداً. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل ستستجيب النظم العربية لتحذيرات الأرقام، أم ستنتظر حتى تنفجر القنابل في الشوارع مرة أخرى؟!

#البطالة_العربية #الاقتصاد_العربي #التنمية_المستدامة #الشباب_العربي #الهدف_الاقتصادي #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.