التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر (1)

صحيفة الهدف

يتناول التقرير الاقتصادي والاجتماعي الذي ناقشه وأقره المؤتمر القومي الثالث عشر تحليل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الوطن العربي على ضوء فكر الحزب، وخاصة أهدافه في الوحدة والحرية والاشتراكية، للبرهنة على صوابية هذه الأهداف وحاجة الأمة التاريخية للنضال من أجل تحقيقها كطريق للنهوض برسالتها.

إن أهمية هذا التقرير تكمن في السعي لربط النضال السياسي بالنضال الاقتصادي والاجتماعي، وهو بذلك دعوة لكافة تنظيمات الحزب للتشديد على تضمين الخطاب السياسي للحزب بالمضامين الاجتماعية والاقتصادية التي تخاطب حاجات الجماهير اليومية ووجدانها وتطلعاتها المشروعة في العيش الكريم والحرية والكرامة، وبالتالي يمكن اعتباره دليل عمل لها خلال المرحلة المقبلة.

مقدمة

إن الغاية الأساسية من إعداد هذا التقرير الاقتصادي الاجتماعي ليست تقديم دراسات اقتصادية واجتماعية أكاديمية مفصلة، وإنما السعي لطرح وإبراز المشكلات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية التي تواجه الوطن العربي وفقاً لرؤية البعث وعلى أساس ارتباطها بالنضال العربي في هذه المرحلة التاريخية من جهة، ثم طرح رؤية البعث لمعالجة هذه المشكلات والتحديات لحمل البعثيين على وعي أهميتها وتبنيها والنضال في سبيل تحقيقها من جهة ثانية.

يقول القائد المؤسس -رحمه الله- في كلمته في المؤتمر التأسيسي للحزب في العام 1947:

(إن الأمة العربية في حاجة حيوية قاهرة إلى تحقيق انقلاب عميق مبدع شامل يبعث فيها طاقتها الروحية الأصيلة الكاملة التي أهلتها في الماضي لخلق أعظم الحضارات والتي تؤهلها اليوم لبناء مستقبل يكمل ماضيها ويتجاوزه ويتفوق عليه. والحاجة عندما تكون بارزة هذا البروز ملحة هذا الإلحاح طاغية هذا الطغيان، إنما تعني في الوقت نفسه القدرة، أي إن في الأمة العربية القدرة اللازمة لتحقيق ما تحتاجه وتنزع إليه).

الانقلاب كما حدده فكر البعث منذ البداية بأنه انقلاب شامل يبدأ من البعثي نفسه، وينتهي بكل مفاصل المجتمع والاقتصاد والحياة. والبعث يؤمن منذ بواكير تأسيسه بأن الأمة قادرة على تحقيق هذا الانقلاب.

ولكي يقوم البعث بقيادة الأمة لتحقيق هذه المهمة لا بد أولاً من تشخيص الواقع الراهن تشخيصاً واقعياً ولكنه ثوري، أي تشخيصاً يقود إلى الانقلاب على هذا الواقع، سواء القيم والتقاليد والأفكار والمعارف التي يحملها البعث في داخله، أو التي تطعن المجتمع.

وإذا كانت مسيرة التحولات المادية على صعيد العمران والاقتصاد وبرامج التنمية التي شهدتها الأقطار العربية واضحة التشخيص والعلاج المستهدف، فإن تحولات المجتمع والإنسان العربي، على صعيد القيم والثقافة والهوية والعادات والتقاليد وتفاعلاتها مع البيئة والطبيعة والتاريخ والجغرافيا والموروث والواقع الراهن والتطلعات خلال العقود الماضية وما أنتجت بدورها من نظائرها ولكن بمضامين ممتزجة بين الماضي والحاضر، بحاجة حقيقية وملحة وتاريخية إلى فهم أعمق وأوسع وأشمل من قبل البعث في وقتنا الراهن. إن هذا يعد شرطاً أساسياً لقيادة الإنسان والمجتمع إلى الانقلاب بالمفهوم الذي يؤمن به البعث.

إن مهمة تحليل وفهم تحولات الإنسان والمجتمع العربيين لا يمكن استيعابها بصورة شاملة وكاملة في هذا التقرير، ولكننا نأمل أن يكون أحد القرارات الصادرة عن هذا المؤتمر هو تكليف القيادة القومية بتشكيل فريق متخصص من الرفاق لإنجاز هذه المهمة.

القسم الأول: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الراهنة في الوطن العربي

شهدت الأوضاع السياسية في الوطن العربي أحداثاً وتطورات كبرى منذ انتهاء أعمال المؤتمر القومي الثاني عشر للحزب عام 1992. وبالرغم مما طغى على سطح تلك الأحداث والتطورات من مشاهد سياسية كبرى شهدتها عالمياً بتفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 وصعود تيار العولمة وأحداث 11 سبتمبر وما تلاها من غزو أفغانستان وصعود قوى عالمية جديدة مثل الصين، وعربياً بسنوات حصار العراق وتوقيع اتفاقية أوسلو وغزو العراق عام 2003 ثم التحركات الجماهيرية في عدد من الأقطار العربية أو ما سمي بثورات الربيع العربي وأخيراً التحولات التي شهدناها إثر اندلاع ح.رب 7 أكتوبر 2023، نقول على الرغم من أن هذه الأحداث السياسية طغت على السطح، فإن مما لا شك فيه أن جميع هذه الأحداث كانت لها جذورها الاقتصادية والاجتماعية العميقة أيضاً والتي تفاوتت أهمية دورها في كل من هذه الأقطار، ولكنها لعبت بشكل أو بآخر دوراً مؤثراً فيها.

1. الأوضاع الاقتصادية

إذا قصرنا الحديث على اقتصاديات أقطار الوطن العربي (باستثناء الاقتصاد الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال الصهيوني الذي خصصنا له ملحقاً خاصاً – انظر الملحق رقم 1)، يمكن القول إن فشل خطط وبرامج وتجارب التنمية الاقتصادية والاجتماعية بعد إنجاز الاستقلال السياسي في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي فتح الأبواب مشرعة أمام اختراقات معادية خطيرة لمصالح الأمة سواء كان مصدرها قوى رجعية محلية أو قوى إقليمية وعالمية طامعة في ثروات الأمة. ونحن هنا لا نقلل من خطورة عامل المؤامرات المتوالية والمتصاعدة على الأمة، لكن عوامل الضعف الداخلية كانت في حالات كثيرة القنطرة التي تعبر من خلالها تلك المؤامرات، باستثناء حالات محدودة.

لقد أفضى تبني النموذج الغربي للتنمية الذي يرتكز على ما يحققه من نمو سنوي على مستوى معظم بل نقل كل الأقطار العربية إلى بروز تشوهات في الاقتصاد والمجتمع. فقد شهدت الاقتصادات العربية نمواً بمعدلات جيدة على مدار العقود الماضية (في الغالب بسبب ارتفاع سعر المواد الأولية التي تصدرها)، لكن ذلك لم يمنع من تعثر عملية تنمية المجتمع مع عدم حصول أي تبدلات جوهرية، من تكنولوجية واقتصادية واجتماعية ومؤسسية وسياسية، تواجه التنمية أو التي لا تنطلق عملية التنمية دونها. بل شهدنا تزايد الخلل في التوازنات الاجتماعية والاقتصادية مثل تزايد أهمية أحد القطاعات الرئيسية، وتغييب قطاعات الإنتاج مقابل التوسع في قطاعات الخدمات والتطوير العقاري، وتفاقم عدم التكافؤ في نمط توزيع الاهتمام بين المناطق الجغرافية وخاصة بين الأرياف والمدن، وازدياد التفاوت في توزيع الثروة والدخل بين الشرائح العليا والشرائح الدنيا في معظم الأقطار العربية باستثناءات قليلة جداً، وتفاقم مشاكل البطالة وانخفاض الدخل الحقيقي للأسر حتى مع تحقيق معدلات النمو الاقتصادي، بالتزامن مع بروز نمط السلوك الاستهلاكي.

ولم يتم تبني هذا النهج عبثاً. لقد أدركت الحكومات العربية أن أي تبنٍّ لنهج حقيقي للتنمية مرتبط بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والوحدة يعني الوقوف بالضد من مصالحها في التسلط على الحكم والتفرد في القرار ونهب الثروات وبناء شبكة مصالح اقتصادية واجتماعية من الفئات الرأسمالية المرتبطة بمصالح الشركات المتعددة الجنسيات. كما يعني تطبيق هذا النهج بناء اقتصاد إنتاجي متين ومتنوع يخلق بدوره طبقة عاملة وفئات مثقفة وواعية سوف تطلب بتحقيق كامل حقوقها المعيشية والديمقراطية، وترفض نهج التبعية.

أيضاً، ارتبط نهج السادات بالتراجع عن الدور القومي الطبيعي لمصر الذي صنعه الرئيس الراحل عبد الناصر بتدشين نهج اقتصادي انفتاحي وتوريط مصر في معاهدات السلام المشؤومة مع الكيان الصهيوني وذلك برعاية وتشجيع الولايات المتحدة والغرب والمؤسسات الدولية وذلك بهدف تفكيك البنى الاقتصادية والاجتماعية التي بنيت في عهد عبد الناصر كونها سوف تمثل صداً أمام تراجع الدور القومي.

لقد أدت هذه السياسات إلى انفتاح مصر على الاستثمارات الأجنبية التي تحالفت مع الرأسمالي المحلي الطفيلي، حيث تم التركيز على الدخول في أنشطة سريعة وعالية المردود، وزيادة هيمنة النفوذ الأجنبي على الاقتصاد المصري من خلال الواردات والاستثمارات. وقد أدى ذلك إلى تزايد المديونية وبروز أنشطة المضاربات والمقاولات مع تفشي ظاهرة الفساد والرشاوى ونهب المال العام وتآكل دور وحجم الطبقة الوسطى، علاوة على الإضرار بالمواطنين الفقراء ومحدودي الدخل بسبب رفع الأسعار وخاصة أسعار السلع والمواد الغذائية.

وقد تبنت العديد من الدول مثل هذا النهج مثل المغرب وتونس والأردن ودول الخليج العربي، كما تواصل في مصر في عهد مبارك والسيسي، وبشراسة أوسع في عهد هذا الأخير الذي دشن برامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي في العام 2015 تحت غطاء تحديث البنية التحتية والمشروعات الكبرى، بينما تراجعت الحياة المعيشية للمواطن المصري بشكل كبير بعد تحرير سعر صرف الجنيه المصري ورفع الدعم عن العديد من المواد الغذائية، إلى جانب التضخم وغلاء المعيشة، وارتفعت نسبة الفقر لتصل إلى 32 في المائة. ونفس الحديث ينطبق على بقية الأقطار العربية غير النفطية.

أما بالنسبة لدول الخليج العربية الغنية بالنفط، فقد تبنت هي الأخرى منهج الاقتصاد الليبرالي المنفتح اقتصادياً ومالياً وتجارياً، لكن الإمكانيات المالية الضخمة التي لديها ساعدتها على توفير شبكة حماية جيدة للمواطنين وخاصة في الكويت وقطر والإمارات، وإلى حد ما السعودية، بينما تراجعت البحرين وسلطنة عمان في شبكات الحماية بسبب ضعف إمكانياتها المالية من جهة والفساد المستشري وعبء المديونية.

#التقرير_الاقتصادي #المؤتمر_القومي #الاقتصاد_العربي #البعث #التنمية #الهدف_الاقتصادي #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.