2. الأوضاع الاجتماعية:
وعلى صعيد مؤشرات الوضع الاجتماعي العربي، فإن معدلات البطالة في الأقطار العربية تشكل ظاهرة خطيرة تتولد عنها انعكاسات سياسية واقتصادية واجتماعية كما حدث في التحركات الجماهيرية مطلع العقد الماضي في عدد من الأقطار العربية. وتتمثل نسبة العاطلين نحو ١٢.٧ في المائة من إجمالي قوة العمل، وتشكل التطورات الدولية وخاصة الحروب في عدد من الدول العربية وتشوه نماذج التنمية وارتفاع نسب الديون، وعجز الميزانية، تحديات فيما يتعلق بالقدرة على خلق فرص العمل. كما أن عدم التوافق بين تخصصات الخريجين الجدد الداخلين إلى أسواق العمل من جهة واحتياجات هذه الأسواق من جهة أخرى يؤدي إلى ارتفاع مستمر في معدلات البطالة.
تمثل فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين ١٥ و٢٤ عاماً حوالي ١٧ في المائة من إجمالي عدد السكان في الأقطار العربية، وهي تمثل أكثر من ثلث العاطلين عن العمل في هذه الدول. كما أن نسبة كبيرة من هؤلاء الشباب العاطلين عن العمل حاصلين على تعليم عالٍ، ويشكل خريجو الجامعات ما يقرب من ٣٠ في المائة من العاطلين. ويعد نقص مشاركة الإناث في سوق العمل في الأقطار العربية خاصة تختلف فيها عن بقية دول العالم، حيث سجلت الإناث في هذه الدول خلال عام ٢٠٢٣ أدنى معدل مشاركة في سوق العمل، بنسبة تقل عن ٣٠ في المائة، بما يمثل حوالي نصف المتوسط العالمي. ويتعين أن الاستثمارات الكبيرة التي قامت بها معظم الأقطار العربية لم يقابلها مستوى توظيف يتناسب مع تلك الاستثمارات، حيث إن معظم الأقطار العربية تقع ضمن الدول ذات معدلات البطالة المرتفعة رغم الاستثمارات الكبيرة في التعليم لرفع المستوى التعليمي لدى السكان، وهذا بسبب تخلف برامج ومرافق التعليم علاوة على ضعف توليد الوظائف.
ويعتبر تفاقم البطالة ظاهرة متجددة في معظم الاقتصادات العربية بسبب تشوه برامج التنمية وغياب الرؤى الجديدة لتطوير التنمية بمفهومها الحقيقي القائمة على دور الإنسان العربي ومستوياته الوطنية والقومية وكرامته، علاوة على أن الكثير من هذه الاقتصاديات تلجأ للاعتماد على العمالة الأجنبية الرخيصة التكلفة، وسوف نعود لهذه النقطة لاحقاً في التقرير.
وفقاً لتقديرات منظمة الإسكوا، شهدت المنطقة العربية ارتفاعاً في معدل الفقر مقارنة بالسنوات ما قبل جائحة كوفيد من ٣١.٥ في المائة في عام ٢٠١٩ إلى ٣٥.٤ في المائة في عام ٢٠٢٣. وفي المقابل تشير توقعات نفس المنظمة إلى تعافي معدلات الفقر في البلدان متوسطة الدخل تدريجياً من ذروتها خلال سنوات الجائحة، لتنخفض من ٢٤.٤ في المائة في عام ٢٠٢٢ إلى ما يقدر بنحو ٢٤.١ في المائة بحلول عام ٢٠٢٥. أما في البلدان العربية المنخفضة الدخل والبلدان المتأثرة بالصراعات، فقدرت معدلات الفقر من ٥٦.٧ إلى ٥٠.٣ في المائة في عام ٢٠٢٣. وجرت الحرب على قطاع غزة جميع سكانه وهم حوالي ٢.٣ مليون فلسطيني، إلى نسب قياسية من الفقر المتعدد الأبعاد.
وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، يعاني ١٥.١ في المائة من سكان الدول العربية الفقر متعدد الأبعاد، وهو ما يمثل ثالث أعلى معدل بعد أفريقيا جنوب الصحراء بنسبة ٤٩.٥ في المائة، وجنوب آسيا بنسبة ٢٠.٥ في المائة. علاوة على ذلك، تواجه الدول العربية ثاني أعلى معدل لشدة الحرمان بنسبة ٤٨.٩ في المائة، بعد أفريقيا جنوب الصحراء بنسبة ٥٢.٩ في المائة.
وفيما يخص التعليم، يمكن أحد أهم التحديات في مسار التنمية في المنطقة في تواضع نوعية التعليم رغم تعميمه في جميع الدول العربية وارتفاع الإنفاق عليه. ولا يزال ارتفاع نسبة الأمية في العديد من الدول العربية عائقاً زيادة الإنتاجية والتحول نحو اقتصاد المعرفة. كما أن النظم التعليمية تواجه مجموعة من التحديات المجتمعية، أهمها عدم القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة والمتنوعة من التعليم للأجيال الجديدة. ولذلك، تصطدم النظم التعليمية في مختلف الدول العربية بتحديات الواقع الديموغرافي وضرورة التوازن بين النمو السكاني وتوفير فرص تعليمية جديدة. وتتفاقم هذه التحديات في ضوء النمو المتواصل للفئات العمرية الصغيرة والشابة، خاصةً في البلدان العربية الأقل ثراءً والتي تقف عاجزة عن تحقيق الاستثمارات الكبيرة، المتعددة والضرورية لتلبية الطلب المتسارع على الخدمات التعليمية ذات النوعية الجيدة. وبلغت نسبة الإنفاق على التعليم إلى الدخل القومي الإجمالي في الدول العربية مجتمعة حوالي ٣.٥ في المائة في العام ٢٠٢٢ وهي نسبة تقل عن نسبة الإنفاق على التعليم في دول العالم مجتمعة حيث بلغت ٤.٢ في المائة.
وقدرت نسبة الأمية بين البالغين (١٥ سنة فما فوق) في الدول العربية، سنة ٢٠٢٢ بحوالي ٢٤.٨ في المائة، وهي بذلك تفوق مثيلاتها في جميع أقاليم العالم.
وفيما يخص الخدمات الصحية، تمكّنت معظم الدول العربية من تحقيق تقدم ملحوظ في اتجاه تعميم الخدمات الصحية، حيث زادت نسبة السكان الذين يحصلون على الرعاية الصحية في عام ٢٠٢٢ على ٩٥ في المائة في كل من الأردن والإمارات والبحرين والسعودية وعُمان وقطر والكويت. بينما تراوحت هذه النسبة بين حوالي ٧١ في المائة و٩٤ في المائة في تونس والجزائر وسورية ولبنان والعراق ومصر والمغرب. ويتفاوت مؤشر الرعاية الصحية بشكل كبير، حسب البيانات المتاحة، بين الريف والحضر لصالح سكان المناطق الحضرية، بينما تواجه معظم الدول العربية، وفي مقدمتها اليمن وموريتانيا والمغرب وجزر القمر والصومال والسودان وجيبوتي، ندرة في الكوادر الطبية، إذ يتراوح فيها عدد الأطباء والممرضات، لكل مائة ألف نسمة، ما بين ٤ إلى ٧٠ طبيباً.
وتآكل الفئات المنتظمة للطبقة الوسطى في المجتمعات العربية هي أحد مظاهر التراجعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
لقد لعبت الطبقة الوسطى في الأقطار العربية دوراً محورياً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العقود الماضية، وشكلت القاطرة لتوعية المجتمع ونهوضه وتثبيت حقوقه المدنية والسياسية. لكن سياسات الانفتاح الاقتصادي التي طبقتها العديد من الأقطار العربية أدت إلى إحداث فرز في هذه الطبقة، فمنها من التحق بالطبقات الطفيلية المنتفعة من تطبيق تلك السياسات، ومنها من أجبر أو وجد نفسه ينحدر نحو الطبقات المتوسطة الدنيا التي تلاصق الطبقات الفقيرة، مع وجود فرق في حفاظها على وعيها وتطلعاتها.
لقد ربط البعض بين ما يسمى بـ”رياح التغيير” التي هبت على عدد من الأقطار العربية في عام ٢٠١١ بالطبقة الوسطى في هذه الدول، على اعتبار أنها الطبقة التي قادت عملية الإشعال رغبة في إحداث التغيير.
إن تآكل الطبقة المتوسطة في أي دولة يرجع بصورة رئيسية إلى سياسات التبعية لنمط التنمية الرأسمالية، والتي أدت إلى تعميق التوزيع غير العادل للثروات وهذا ما نراه متفشياً في الأقطار العربية التي مازالت جماهيرها تناضل من أجل تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، أضف إلى ذلك ميلان كفة الفساد والرشوة والمحسوبية. كما أسهم الغلاء الفاحش وتزايد الحاجات والهبوط المستمر لمستويات المعيشة، وتعاظم مناحي العوز، وارتفاع معدلات البطالة وما يترافق ذلك مع تهديد اجتماعي واضح للدول والمجتمعات العربية، في تآكل الفئات المنتظمة للطبقة الوسطى.
الصورة الإجمالية للطبقة الوسطى سياسياً أن البيئة السياسية مثبطة لأمل وتطلعات هذه الطبقة وسط تنامي وعيها السياسي وتزايد الضغوط الاقتصادية. ففي ظل غياب الدساتير العادلة والتشريعات الصائنة للحريات والبنى والمؤسسات الديمقراطية والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والحريات السياسية في معظم هذه البلدان وقمع السلطات الحاكمة للحريات، تجد الطبقة الوسطى أمامها أفقاً مسدوداً للعب دورها السياسي بالشكل المطلوب، مما يواجهها أنها لتجاذب التيارات الإسلامية المتنوعة تارةً وتيارات الانترنيت الثقافي والعولمة تارةً أخرى. وقد أدى تغلغل التيارات الإسلامية في صفوف الطبقة الوسطى (بسبب سياسات الحكومات التمييزية وتراجع دور القوى الوطنية والقومية) إلى المزيد من الانقسام الاجتماعي بحكم التمترس المذهبي والطائفي. وتزداد خطورة هذه البيئة السياسية المثبطة بالنظر لتنامي الوعي السياسي لدى الطبقة الوسطى. فالانفتاح العالمي وثورة وسائل التواصل الاجتماعي والتحركات الجماهيرية العربية على مدى السنوات الماضية والزيادة الهائلة في أعداد الخريجين الجامعيين، جميعها تدفع الطبقة الوسطى للمطالبة بمشاركة سياسية حقيقية في الحكم والثروة، يزكيها تدهور وضعها الاقتصادي وزيادة معدلات البطالة في صفوف الشباب.
وأخيراً، نتوقف عند ما آلت إليه قضايا الإعلام والثقافة والآداب في أقطار الوطن العربي، وهي قضايا متشعبة لن يكون بإمكان هذا التقرير تغطيتها بما تستحقه، لكن الواضح أن الإعلام الموجه من قبل الأنظمة والمافيات السلطوية والمرتبطة بمراكز النفوذ هي التي تسيطر على وسائل الإعلام كافة في الوطن العربي، ولا يوجد إعلام وطني أو قومي مستقل إلا ما ندر. مُولت القنوات التلفزيونية والصحف والمجلات والآلاف من الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي وظفت لتجريف وتزييف الوعي الوطني والقومي العربي ونشر الأفكار المتطرفة والتكفيرية والمذهبية والطائفية، وجر الشباب نحو اهتمامات ووسائل تسلية وعادات وقيم تفرغ طاقاتهم وشحناتهم الشبابية في وسائل ترضي رغباتهم الشخصية الذاتية وتمكنهم من التعبير عن ذاتهم، ولكن نادراً ما توجه نحو رغبات واحتياجات المجتمع، إلا الفئات المثقفة والمسيسة. لقد باتت وسائل التواصل الاجتماعي غولاً كبيراً يتحرك وفقاً لمخططات غير مرئية لمراكز النفوذ العالمية وتوظف في الترويج لتيارات العولمة والانسلاخ عن المجتمع وتشجيع الانحراف والمثلية وغيرها من القيم المستهدف زرعها في وسط الشباب، مما يجعلها تمثل تحدياً كبيراً لنضال الحزب، والأحزاب الثورية ومؤسسات المجتمع المدني، وخاصة في صفوف الشباب العربي.
ولا يقل وضع الآداب والثقافة إحباطاً عن الإعلام العربي من حيث تردي أوضاعها وتزييف مساراتها وتوظيفها لمصالح الحكام وأصحاب النفوذ والطبقات المتنفذة، كما توظيفها في تزييف التاريخ والحضارة العربية والإسلامية وتوظيفها لزرع الشقاق والانقسام بين أبناء الشعب الواحد. وفي الوقت الذي نلاحظ بكل التقدير والإكبار الجهود والتضحيات الكبيرة التي يبذلها مثقفو الأمة ومفكروها وأدباؤها وفنانوها في توعية المجتمع وتصويب وعيه وثقافته وفنونه نحو قضايا المجتمع والأمة وتثوير نضالاتهما ورفع درجة وعيهما بالتحديات الحضارية والفكرية والثقافية والمخططات الاستعمارية، فما لا شك فيه هناك هوة سحيقة بين الدعوات التنويرية والاستنهاضية لهؤلاء المثقفين والمفكرين والفنانين وبين مواقف السلطات والحكام منها، حيث لا تكتفي بموقف المتفرج منها، بل بمحاربتها وملاحقة أصحابها ومحاربتهم في أرزاقهم.

Leave a Reply