حوار العدد: الفنان والفاعل الإبداعي عوض مشاوي لـ”ملف الهدف الثقافي”:    

صحيفة الهدف
  • الثقافة هي الطريق الأقصر نحو الإنسان والترميم الروحي لمآسي الحرب
  • “لا نغنيكم.. لكننا نناضل” والمسؤولية الأخلاقية للفن لا تسقط بالتقادم
  • ثورة ديسمبر “غربال كبير” يصفّي الوطن من الشوائب ومستمرة رغم أنف الجميع
  • فرقة “كوش” الأفروسودانية جسر ثقافي يتجاوز ما تعجز عنه السياسة في إعادة بناء الهوية

عوض مشاوي ليس فناناً يعبر عن الواقع بالغناء فحسب، بل هو واحد من أولئك الذين اختاروا أن يعيشوا الفن ممارسةً يومية في خدمة الإنسان. إعلامي ومخرج أفلام وثائقية، وباحث في التراث، وموسيقي، ومدرب، وفاعل ثقافي، حمل مشروعه الإبداعي من أم درمان إلى جنوب السودان، ثم إلى أوغندا، حيث واصل تأسيس المبادرات والمراكز الثقافية، مؤمناً بأن الفن قادر على ترميم ما تهدمه الح.روب، وصناعة الجسور بين الشعوب والثقافات.

قدّم عشرات الأفلام الوثائقية، وأسهم في أعمال درامية ومسرحية، وأسس مركز مشاوي الثقافي، ومجموعة نجوم الرنك، ويعمل اليوم على تحقيق حلمه بتأسيس فرقة «كوش» الأفروسودانية، التي تجمع فناني القارة في مشروع ثقافي جامع. في هذا الحوار، يفتح عوض مشاوي صفحات من سيرته وتجربته، ويتحدث عن الفن، والثورة، والح.رب، والهوية، والتراث، وعن إيمانه الراسخ بأن الأغنية يمكن أن تكون فعل مقاومة، وأن الثقافة هي الطريق الأقصر نحو الإنسان.

حوار: عبدالمنعم مختار

بدايةً.. من هو عوض مشاوي، وكيف يعرّف نفسه بعيداً عن الألقاب الفنية والمهنية؟

أنا طينةٌ مطاوعة شكّلتها أمٌّ اسمها علوية موسى بحرفية عالية، وبحب كبير، وبوعيٍ عميق برسالتها كأم عليها المساهمة في بناء مجتمع فاضل، على حد قولها: “ما المجتمع إلا أفراد، إن صلحوا صلح، وإن فسدوا انتهى كل شيء، لذلك نبدأ بأنفسنا.” فتحققت فيها مقولة: “الأم مدرسة”. كانت النشأة معقدة نوعاً ما، فأنا من أبٍ من شمال السودان، وأم من جبال النوبة. والجميع يعرف التحديات التي تواجه مثل هذا الارتباط من كلا الجانبين، من رفض وعنصرية كريهة. لكن هنا تجلت عظمة تلك العلوية موسى، الزوجة العظيمة، التي استطاعت ترميم كل التشوهات، وامتصاص الصدمات واحدةً تلو الأخرى، حتى أصبحنا أنا وإخوتي أعزاء، ولنا مكانة محترمة لدى الجانبين. دائماً ما أعرّف نفسي بأنني ابن النيل العظيم، والتراب الكوشي الطاهر؛ تلك العجينة التي تشكلت بتنوع أم درمان الإثني والثقافي، والذي يحمل معاني السودان الكبير بكل جمالياته وتناقضاته.

أنت تجمع بين الغناء، وصناعة المنتجات الجلدية، والبحث في التراث، والعمل الإنساني. كيف تشكلت هذه الشخصية متعددة الاهتمامات؟ وما الذي يجمع بينها؟

الغناء ورثته من أمي. كان لها صوت عذب وطروب إلى درجة بعيدة، وكانت تحفظ أغنيات الحقيبة عن ظهر قلب. أذكر عندما كنا صغاراً أنها كانت تغني أغنية “قائد الأسطول”، وكانت دائماً تقول إن تلك الأغنية تقصد بها أبي عبد الرحمن مشاوي. كما كانت تشارك في الدورات المدرسية، وتم اختيارها لأداء الملحمة مع فرقة الأستاذ محمد الأمين في مهرجان الثقافة الأول بالمسرح القومي عام 1976. وكثيراً ما نشاهد هذا التسجيل على «يوبتيوب»، لنرى أمي، وعمرها أربعة عشر عاماً، تقف خلف القامة محمد الأمين، فنشعر بفرح كبير. أما حرفة الجلود فقد ورثتها من والدي العزيز عبد الرحمن مشاوي. كان أبي إسكافياً يصنع الأحذية، وكنت كثير الملاحظة لأعماله، التي كنت أصنفها واحدة من الفنون الجميلة. لكنه كان يريد لنا مستقبلاً مختلفاً، لذلك اجتهد في أن نكون خارج دائرة الاهتمام بصناعة الأحذية. غير أن تلك المهارات اختزنت في عقلي الباطن، لتتفجر في ظروف اللجوء، فكان أول إنتاج حقيقي لي بمدينة جوبا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت صناعة الجلود اليدوية مهنتي. والارتباط بالموسيقى والحرف اليدوية يقود بصورة مباشرة إلى التراث، والبحث والتعمق فيه، خاصة عندما تكون الأم علوية بت النوبة، وهي تحكي عن ثقافات قبائل النوبة، فتمتلئ المخيلة بمشاهد العادات والتقاليد النوبية، وهو ما يفتح منفذاً مباشراً نحو جميع الثقافات المحلية لمكونات الشعوب السودانية، ويمنحك الانتماء إليها جميعاً بصورة متساوية، دون تحيز. ومن هنا تتعاظم المسؤولية الاجتماعية لخدمة أهلنا في كل مكان، متى ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

أطلقت مبادرة “الفن محنة” لتغني في المستشفيات، والسجون، ودور الرعاية، وبين المشردين وبائعات الشاي. متى أدركت أن الأغنية يمكن أن تكون دواءً، وأن الفنان يستطيع أن يؤدي دوراً يتجاوز خشبة المسرح؟

عندما تغني أغنية، ويقابلك مستمع بالبكاء، حينها تدرك تماماً ما الذي تفعله. فالغناء، بكل أشكاله، يستطيع أن يلمس أماكن في الروح لا يمكن لطبيب أن يصل إليها. التحفيز النفسي له أثر عجيب في روح الإنسان، لذلك تعتبر الموسيقى من أهم وسائل الدعم النفسي، ولهذا اخترنا أن نوصلها إلى من يحتاجونها في أماكنهم.

من بين مئات الوجوه التي التقيتها في رحلات “الفن محنة”، ما القصة التي ما زالت تقيم في وجدانك، وغيرت نظرتك إلى الإنسان والحياة؟

في ذات مساء، وبعد نهاية يوم شاق، اتصلت بي طبيبة من مستشفى الكلى تُدعى آمنة، وأخبرتني بحالة مريض يخضع لغسيل الكلى ويمر بحالة نفسية سيئة، ويريدني أن أغني له أغنية “البياح” للفنان السوداني الكبير النور الجيلاني. اتفقنا على اللقاء، وكانت من أجمل اللحظات التي عشناها مع ذلك الشاب. تغنينا معاً، وتفاعل كل المرضى الموجودين في العنبر، ومنها تدفقت “المحنة” إلى كل من في عنبر غسيل الكلى. بعد ذلك علمت أن ذلك الشاب توفي بسبب نقص الإمكانات في المستشفى جراء الح.رب. تلك التجربة جعلتني أكثر صلابة، وأكثر تقبلاً للأقدار كما هي، وأكثر قدرة على التعايش مع الظروف مهما بلغت صعوبتها. فقد أدركت أن هناك من ينتظرون الموت في أي لحظة، وهم مدركون لذلك، لكنهم يتشبثون بالحياة وبمباهجها حتى آخر لحظة. العبرة أن الحياة تستحق أن تُعاش.

شاركت في عدد من المنتديات الثقافية والفكرية إلى جانب الأستاذ بكري عابدين ونخبة من المثقفين. كيف تقيم تلك التجربة؟ وهل تعتقد أن المنتديات الثقافية ما زالت قادرة على صناعة الوعي في ظل التحولات التي يعيشها السودان؟

السودانيون، كأي مجتمع في الدنيا، يحتاجون إلى أن يلتقوا ويتثاقفوا ويتناقشوا حول ما يشغلهم. فالمنتديات الثقافية دليل وعي، وبحث عن المعرفة بصورة راقية. كان منتدى البعث في منزل أستاذي وصديقي بكري عابدين متنفسًا عالي النقاء، في وقت كُبتت فيه حريات الناس. اليوم، نجد أن السودانيين في دول اللجوء ما زالوا يحافظون على تماسكهم بفضل تلك المنتديات وما توفره من أحضان ولقاءات. كما أن الأجواء الحرة التي تُقام فيها تجعل الموضوعات المطروحة أكثر واقعية وجرأة، وبدون قيود، ولذلك تكون الاستفادة منها كبيرة.

خلال الفترة الانتقالية شاركت في فعاليات نظمها حزب البعث. كيف تنظر إلى تلك التجربة اليوم؟ وما الذي لمسته من وعي وتفاعل لدى الشباب مع الخطاب الثقافي والفني؟

أحببت جداً فكرة «أصدقاء البعث». كانت تجربة فريدة، فقد كان إصرار البعثيين على الترابط الاجتماعي، وتبنيهم لفكرة أن الثقافة تقود المجتمعات، أمراً ملهماً. أما الشباب، ففي السنوات العشر الأخيرة من عمر نظام الإنقاذ، أصبحوا يبحثون عن هويتهم المضيعة، وأصبح لديهم شغف كبير بإعادة اكتشاف ذواتهم. كنت ألاحظ تمسكهم بالغناء الشعبي، حتى بعثوه من جديد، واليوم نجد أن الغناء الشعبي أصبح حاضراً بقوة وسط الشباب، والحقيقة أنني كنت أراهم عظماء في هذا اللون.

كنت تعمل قبل الح.رب في مشاريع ثقافية وتنموية، وأسست مركزاً ثقافياً، وحلمت بفرقة أفريقية جامعة باسم «كوش». ماذا فعلت الح.رب بهذه الأحلام؟

بعد سقوط البشير، اجتهدنا في تحويل شعارات الثورة إلى برامج عمل، لكن مع تجاذبات الشارع، واجتهاد النظام البائد في إجهاض الثورة، أيقنا أن المشروع القومي لا يمكن أن ينجح في بيئة كهذه. عدت إلى القضارف وأسست «كافيه ومركز مشاوي الثقافي»، لكن مع تداعيات الح.رب، قام جهاز الأمن والاستخبارات بإغلاق المركز، وملاحقتنا باعتبارنا من الثوار ولجان المقاومة، إلى أن غادرت السودان. أما عن «فرقة كوش»، فأعتقد أن وعاءها قد اتسع بقدر عظمة الفكرة؛ فهنا في أوغندا شاهدت تجارب مدهشة أغنت الفكرة بثقافات غنائية مبهرة، وأعتقد جازماً اليوم أن «فرقة كوش» لم يعد يفصلها عن الواقع سوى خطوات قليلة.

عشت تجربة الح.رب وما صاحبها من نزوح ولجوء. كيف غيرتك هذه التجربة إنسانياً وفنياً؟

لكل تجربة صعبة وجهان؛ وجه مشرق، وآخر مظلم. التجربة أثبتت أن الإنسان يمتلك قدرات لا يكتشفها إلا عندما يوضع في قلب المحنة. في طريق اللجوء تعرضت لكثير من المصاعب، أصعبها الملاريا. كانت تجربة قاسية، لكنها امتحان كبير للصبر وقوة الإرادة. أما على المستوى الفني، فالفائدة لا توصف، إذ تتسع المعرفة كل يوم، ويتسع معها الأفق في فهمنا للبعد الثقافي الأفريقي، المحتشد بالفنون والتراث والإبداع.

كثير من الفنانين غادروا السودان مع اندلاع الح.رب. ما المسؤولية الأخلاقية للفنان في زمن الصراع؟

الفنان بطبعه محب للحياة، ويرفض كل ما يهدد السلم المجتمعي. لذلك رأينا أن معظم الفنانين رفعوا صوتهم عالياً بشعار #لا_للحرب. ودور الفنان تجاه قضايا مجتمعه بالغ التأثير، لأنه يمثل صوت ضمير الأمة، وقد أعجبتني العبارة التي تقول: “لا نغنيكم… لكننا نناضل.”

كنت من الأصوات المنحازة لثورة ديسمبر. كيف تقرأ تلك التجربة اليوم بعد كل ما جرى؟

كنت، وما زلت، أردد أن ثورة ديسمبر غربال كبير. وأعتقد أن الثورة تمر بموجات، وهذه أعنف موجاتها. وبعدها سيخرج الثوار أكثر وعياً، لأن الغربال لا بد أن يُصفّي الوطن من الشوائب. لذلك أؤمن أن الثورة مستمرة، رغم أنف الكيزان، قدامى كانوا أم جدداً.

وسط الح.رب والانقسام، ما الذي تبقى من شعارات ثورة ديسمبر؟

لكل ثورة أدبياتها، وشعراؤها، ومغنوها، وكتابها، الذين يرسخونها في أعماق الشعب، ويؤرخون لها، ويحفظون ذاكرتها، ويورثونها للأجيال القادمة. فما ديسمبر إلا امتداد لثورات سبقتها، وإلهام لثورات قادمة، حتى تتحقق بصورة كاملة قيم الحرية والسلام والعدالة.

هل ترى أن الثقافة والفنون يمكن أن تصبح جسراً لإعادة بناء الهوية الوطنية بعد الح.رب؟

من خلال تجربة حية عشتها في معسكرات اللجوء، وجدت كل المكونات الثقافية والاجتماعية والإثنية في مكان واحد، تجمعهم دائرة العرضة والرقص الشعبي دون أي تحيز. الجميع يرقص الكرن، والمردوم، والجراري، والفرنقبية، وهذا يؤكد أن الثقافة والفنون قادرتان على تجاوز ما تعجز عنه السياسة.

ما المشاريع الفنية والبحثية التي تعمل عليها اليوم؟

أسعى جاهداً إلى تكوين فرقة قومية أفريقية، تعبر عن الوجدان الجمعي الأفريقي بصورة جمالية متساوية، دون أي تحيز. وقد قطعت في هذا الاتجاه شوطاً كبيراً، من خلال جمع مجموعة من شباب الكاكوا، والأشولي، والكونغوليين، والنوير، إلى جانب شباب ومغنين أوغنديين وسودانيين. كما أعمل حالياً مع أطفال المعسكر على تأليف أغنيات الغربة، وترديد الأغاني الوطنية والشعبية، حتى نحفظ ذاكرة الوطن حية في وجدانهم.

أخيراً… لو مُنحت فرصة أن تغني أغنية واحدة لكل السودانيين في هذه اللحظة المفصلية، فماذا تختار؟

“أرض الخير أفريقيا مكاني… زمن النور والعزة زماني… فيها جدودي… جباهم عالية… مواكب ما بتتراجع تاني… أقيف قدامها وأقول للدنيا: أنا سوداني.”

وما هي رسالتك للأجيال القادمة؟

رسالتي إلى الأجيال القادمة قصيرة جداً: “ابقوا عشرة على المبادئ”.

#ملف-الهدف-الثقافي #عوض_مشاوي #ثقافة_سودانية #أدب_وفن #السودان #حرب_السودان #فرقة_كوش #ثورة_ديسمبر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.