أمجد السيد
لا تنهض الأمم بالسلاح، ولا تُبنى الحضارات بالقوة وحدها، وإنما تنهض بالإنسان الواعي، وتُبنى بالإبداع والثقافة والمعرفة. لذلك احتلت الثقافة مكانة مركزية في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي نظر إليها باعتبارها القوة القادرة على صناعة النهضة، وبناء الإنسان الحر، وصياغة هوية الأمة الحضارية.
فالثقافة في فكر البعث هي مشروع حضاري متكامل يهدف إلى تحرير العقل، وإطلاق طاقات الإبداع، وترسيخ قيم الحرية والوحدة والعدالة. ومن هنا رأى القائد المؤسس ميشيل عفلق أن النهضة تبدأ من الإنسان، وأن الإنسان لا يصنعه إلا الفكر والثقافة والإيمان برسالة الأمة.
ولذلك لم يفصل البعث بين الثقافة والعمل الوطني، بل اعتبر أن الأديب، والشاعر، والمسرحي، والموسيقي، والفنان، والصحفي، والمفكر، جميعهم شركاء في صناعة المستقبل. فالمبدع الحقيقي، في هذه الرؤية، ليس من يبحث عن الشهرة أو المجد الشخصي، وإنما من يجعل من إبداعه رسالة تنير العقول، وتوقظ الضمائر، وتدافع عن الحرية والكرامة والعدالة.
وقد أسهم هذا التصور في ترسيخ عدد من المبادئ الفكرية، أهمها أن الثقافة أساس النهضة، وأن حرية الفكر شرط للإبداع، وأن اللغة العربية وعاء الهوية الحضارية، وأن التراث مصدر للإلهام لا قيد على التجديد، وأن الإبداع ينبغي أن يكون منحازاً للإنسان وقضاياه، لا أداة لنشر التعصب أو الكراهية أو الانقسام.
واليوم، يقف السودان أمام تحدٍ تاريخي يتمثل في إعادة بناء الدولة والمجتمع بعد سنوات الحرب والدمار. وإذا كانت إعادة إعمار المدن تحتاج إلى المال والموارد، فإن إعادة إعمار الإنسان تحتاج إلى الثقافة والإبداع. فالجراح التي خلفتها الحرب لا تندمل بالسياسة وحدها، بل تحتاج إلى قصيدة تعيد الأمل، ورواية تحفظ الذاكرة، ولوحة ترسم المستقبل، ومسرحية تفتح أبواب الحوار، وأغنية توحد الوجدان، وصحافة مسؤولة تنشر الحقيقة وتواجه خطاب الكراهية.
إن المبدعين السودانيين مطالبون اليوم بأداء دور تاريخي يتجاوز حدود الإنتاج الأدبي والفني، إلى الإسهام في بناء مشروع وطني جامع يعزز قيم السلام، ويكرس ثقافة التسامح، ويعيد الاعتبار للتنوع الثقافي بوصفه مصدر قوة وإثراء للمجتمع السوداني، لا سبباً للصراع والانقسام.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب تبدأ بخطاب يحرض على الكراهية، لكنها تنتهي دائماً بثقافة تعيد للناس إنسانيتهم. ومن هنا تصبح مسؤولية المبدع أكبر من مجرد إنتاج عمل جميل؛ إنها مسؤولية المشاركة في بناء الوعي، وصناعة الأمل، والدفاع عن قيم الحرية والعدالة، حتى يصبح الإبداع جسراً تعبر عليه الأمة نحو مستقبل أكثر استقراراً وإنسانية.
إن رؤية البعث للثقافة تقدم تصوراً يعتبر الإبداع قوة للتغيير الحضاري، لا مجرد نشاط فني. وفي واقع السودان اليوم، تبدو هذه الفكرة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن بناء وطن أنهكته الحرب لن يتحقق بإعادة تشييد الجسور والطرق فقط، بل بإعادة بناء العقول والوجدان، وغرس ثقافة السلام والديمقراطية والمواطنة. فحين ينتصر الإبداع على الكراهية، وتنتصر الثقافة على العنف، تبدأ رحلة السودان الحقيقية نحو المستقبل.

Leave a Reply