اغتيال الشخصية… حين يصبح التشهير بديلاً عن السياسة

صحيفة الهدف

عبدالمنعم مختار

أكاد أن أجزم بأنكم جميعاً تتذكرون قصة فضيحة الحسناء الأمريكية مونيكا لوينسكي، التي شكّلت درساً قاسياً في الكيفية التي يستطيع بها الإعلام والجمهور، عندما يتحالفان مع الشائعات والانحياز، أن يحوّلا إنساناً إلى هدف دائم للتشهير، وأن يصبح “اغتيال الشخصية” عقوبةً أشد قسوة من أي حكم قضائي.

بيد أن هذه القصة ليست أمريكية فقط، بل إنها تتكرر كل يوم عندنا في السودان، ولكن بأسماء مختلفة.

فمنذ اندلاع ثورة ديسمبر، ثم خلال الفترة الانتقالية، وصولاً إلى سنوات الحـ.رب، تحولت منصات الإعلام ووسائل التواصل إلى ساحات مفتوحة لإعدام السمعة. لم يعد الخلاف السياسي يُحسم بالحجة والبرنامج، بل بالتسريبات، والملصقات، والمقاطع المجتزأة، والإشاعات، وحملات التخوين التي لا تترك للمتهم فرصةً للدفاع عن نفسه. وبالطبع تعرفون من برع في ذلك إلى حد الإدهاش.

من الطبيعي أن تختلف مع وجدي صالح، أو خالد سلك، أو محمد الفكي سليمان، أو حنان حسن، أو مع لجنة إزالة التمكين نفسها، بل من حقك، بل أقول من واجبك، أن تنتقد أداءهم بأقسى العبارات. لكن شيئاً آخر تماماً هو تحويل الخلاف السياسي إلى صناعة منظمة لتشويه السمعة، ونشر روايات غير موثقة، وتقديمها للرأي العام باعتبارها حقائق نهائية.

والمفارقة أن هذه الثقافة لم تعد حكراً على تيار سياسي بعينه؛ فبتبرير أن لكل فعل رد فعل، مارستها أطراف متعارضة، وإن كان إعلام النظام السابق وأنصاره قد جعل منها، في نظر كثيرين، أداةً مركزية في معركته مع خصومه. وهكذا، بين ليلة وضحاها، أصبح السودانيون أسرى لمنطق: “دمّر الشخص… تسقط الفكرة.”

لكن حملات اغتـ.يال الشخصية، بالطبع، لا تقتل فرداً فقط، بل تقتل الثقة العامة. وعندما يعتاد الناس تصديق أي اتهام دون دليل، يصبح الجميع مشروع ضحية، ويصبح الكذب أكثر تأثيراً من الحقيقة، والانطباع أقوى من الوقائع.

الدولة التي تحترم نفسها تُحاسب الناس بالقانون، لا بالترند. وتفصل في الاتهامات المحاكم، لا غرف الدردشة ولا الصفحات المجهولة.

لقد علمتنا قصة مونيكا لوينسكي أن الإنسان قد ينجو من الفضيحة، لكنه لا ينسى آثارها. أما السودان، فما زال يدفع ثمن ثقافة ترى أن الخصم لا يُناقش، بل يُشوَّه، ولا يُهزم سياسياً، بل يُعدم معنوياً.

أقول إن أول طريق للخروج من أزمتنا الوطنية هو أن نستعيد قيمةً بسيطة، لكنها جوهرية: أن نختلف بلا كراهية، وأن ننتقد بلا تلفيق، وأن ندرك أن كرامة الإنسان ليست خسارةً جانبية في أي معركة سياسية.

#السودان #اغتيال_الشخصية #أخلاقيات_الإعلام #العمل_السياسي #الوعي_العام #تفكيك_خطاب_الكراهية #ثقافة_الحوار #الإعلام_الرقمي #ملف_الهدف_الثقافي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.