طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
كل أزمة وطنية تحتاج إلى قراءة علمية، وكل قراءة علمية تبدأ من سؤال صحيح. لكن حين تتحول أزمة دولة إلى حكم على شعب كامل، فإننا نغادر ميدان البحث العلمي وندخل منطقة الأحكام العامة التي لا تصمد أمام المنهج ولا أمام التاريخ.
ورغم أن الدكتورة أماني الطويل تُعد من الباحثات المعروفات في قضايا القرن الأفريقي والعلاقات الإقليمية، وأن آراءها تحظى باهتمام في الأوساط الأكاديمية والسياسية، فإن قيمة أي اجتهاد فكري لا تُقاس بمكانة صاحبه، بل بمدى اتساقه مع المنهج العلمي وقدرته على تفسير الظواهر تفسيراً موضوعياً. ومن هذا المنطلق، فإن الملاحظات التي طرحتها حول السودان تستحق نقاشاً علمياً هادئاً، لأنها تجاوزت في بعض جوانبها تحليل أزمة الدولة السودانية إلى إطلاق أحكام عامة على الإنسان السوداني وبنيته الثقافية والاجتماعية. وهنا يبرز سؤال منهجي جوهري: هل تُفسَّر أزمات الدول بخصائص الشعوب، أم بطبيعة الدولة، والمؤسسات، والتاريخ السياسي، والظروف الاقتصادية، والتدخلات الخارجية؟ إن هذا السؤال هو المدخل الحقيقي لأي قراءة علمية للأزمة السودانية، وهو ما تحاول هذه المقالة مناقشته.
فالقول إن المشكلة الأساسية في السودان تكمن في طبيعة الإنسان السوداني أو في تكوينه الثقافي أو العرقي، لا يفسر الأزمة، بل ينقلها من مستوى السياسة والتاريخ إلى مستوى الجوهر الإنساني، وكأن الشعوب تولد بصفات ثابتة لا تتغير. وهذا التصور تجاوزه الفكر الإنساني منذ عقود طويلة. ففي علم الاجتماع، لا يُفسَّر سلوك المجتمعات بالعرق، وإنما بالمؤسسات، وبطبيعة الدولة، وبالظروف الاقتصادية، وبالتجارب التاريخية. والإنسان لا يولد ناجحاً أو فاشلاً، متحضراً أو بدائياً، وإنما يتشكل داخل بيئة سياسية واجتماعية وتعليمية واقتصادية معينة.
ولو كان تفسير الأزمات قائماً على طبيعة الشعوب، لما نهضت ألمانيا بعد الح.رب العالمية الثانية، ولا اليابان بعد هيروشيما وناغازاكي، ولا كوريا الجنوبية بعد الفقر والح.رب، ولا رواندا بعد واحدة من أبشع الابادات الجماعية في التاريخ الحديث. لقد أثبت التاريخ الحديث أن الشعوب لا تُولد ناجحة ولا فاشلة، ولا متحضرة ولا متخلفة، وإنما تنجح أو تتعثر بقدر ما تمتلك من مؤسسات عادلة، وتعليم جيد، وإدارة كفؤة، ورؤية وطنية مستقرة.
إن التاريخ لا يحاكم الشعوب على لحظات انكسارها، وإنما على قدرتها على النهوض بعدها. فكل أمة مرت بمرحلة ظن العالم أنها انتهت، ثم عادت لتكتب فصلاً جديداً من تاريخها. ولم يكن الفرق بين الأمم التي نهضت والأمم التي بقيت متعثرة هو اختلاف الإنسان، وإنما اختلاف المشروع الذي قاد هذا الإنسان. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تعثر السودان؟ بل: كيف يمكن أن يتحول هذا التعثر إلى بداية جديدة؟
فالشعب الألماني لم يتغير عرقياً بعد عام 1945، ولم يصبح الياباني شعباً مختلفاً بعد الح.رب العالمية الثانية، ولم يولد الكوريون الجنوبيون بصفات تختلف عن الكوريين الشماليين، وإنما الذي تغير هو طبيعة الدولة، ونوعية المؤسسات، وإدارة الموارد، وحرية المجتمع. ولذلك فإن المنهج العلمي لا يحمّل الشعوب مسؤولية التخلف، بل يبحث في الأسباب التاريخية والسياسية والاقتصادية التي تنتج التخلف أو التنمية. ومن هنا فإن تفسير الأزمة السودانية بصفات ثابتة في الإنسان السوداني لا ينسجم مع ما استقرت عليه العلوم الاجتماعية الحديثة، التي ترى أن إصلاح الدولة هو المدخل إلى إطلاق طاقات المجتمع، لا العكس.
لقد انشغل الفكر الإنساني منذ القدم بالسؤال حول العلاقة بين الإنسان والتاريخ: هل يصنع الإنسان ظروفه، أم تصنع الظروف الإنسان؟ وقد انتهت أغلب المدارس الحديثة إلى أن الإنسان والبيئة يتفاعلان بصورة مستمرة، فلا وجود لإنسان يولد محكوماً بالفشل، كما لا توجد مجتمعات محكومة بالنجاح إلى الأبد. فالإنسان يحمل إمكانات متعددة، لكن المؤسسات، والتعليم، والقانون، والثقافة السياسية هي التي تحدد مقدار ما يتحول من هذه الإمكانات إلى إنجازات. ولذلك فإن تفسير أزمات السودان بصفات ثابتة في الإنسان السوداني لا ينسجم مع هذا الفهم الفلسفي، لأنه يلغي أثر التاريخ، والسياسة، والدولة، ويختزل المجتمع كله في أحكام جوهرية لا يمكن البرهنة عليها علمياً.
التاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تُولد متقدمة ولا متأخرة، وإنما تبني تقدمها أو تتعثر بحسب طبيعة مؤسساتها، وجودة قياداتها، وقدرتها على إدارة مواردها. ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس: ما طبيعة الإنسان السوداني؟ بل: كيف تشكلت الدولة السودانية؟ وما الظروف التي أنتجت أزماتها؟
فالسودان الحديث خرج من تجربة استعمارية معقدة، ورث حدوداً رسمها الاستعمار، واقتصاداً موجهاً لخدمة الخارج، وتفاوتاً تنموياً كبيراً بين الأقاليم، ومؤسسات لم تُبن على أسس وطنية مستقرة. ثم جاءت الانقلابات العسكرية، والح.روب، والتدخلات الإقليمية والدولية، لتزيد المشهد تعقيداً.
ولم يكن السودان، في تاريخه الحديث، مجرد دولة مستقلة داخل حدودها السياسية، بل ظل جزءاً من المجال الحضاري العربي، يسهم في تشكيل الأمن القومي العربي، والثقافة العربية، والتواصل بين المشرق العربي وعمقه الأفريقي. ولذلك فإن أي قراءة لأزمته ينبغي أن تنطلق من إدراك أن استقرار السودان ليس شأناً داخلياً فحسب، وإنما مصلحة عربية مشتركة.
لا يمكن فهم الدولة السودانية بعيداً عن الإرث الاستعماري الذي أعاد تشكيل الحدود، والاقتصاد، والإدارة، بصورة خدمت المصالح الاستعمارية أكثر مما خدمت بناء الدولة الوطنية. ولذلك فإن كثيراً من التحديات التي واجهها السودان بعد الاستقلال لم تكن نتاج المجتمع، بل نتاج دولة ورثت بنية غير مكتملة. فهل يمكن اختزال كل هذا التاريخ في طبيعة الإنسان السوداني؟
وإذا كان الحكم على الشعوب يُبنى من خلال تاريخها، فإن تاريخ السودان يقدم صورة مختلفة تماماً عن تلك التي تختزل الإنسان السوداني في صورة العاجز عن الفعل أو البناء. فمنذ الاستقلال، ظل السودانيون من أكثر الشعوب العربية حضوراً في العمل الوطني والسياسي والنقابي. فقد شهد السودان واحدة من أوائل الثورات الشعبية السلمية في الوطن العربي في أكتوبر 1964، ثم انتفاضة أبريل 1985، ثم انتفاضة ديسمبر الثورية 2018، وهي محطات أثبتت أن المجتمع السوداني يمتلك قدرة متجددة على استعادة المبادرة حين تصل الأزمات إلى ذروتها. ولم تكن هذه الأحداث مجرد تغيير لحكومات، بل كانت تعبيراً عن حيوية مجتمع يرفض الاستسلام، ويؤمن بأن الشعب يظل المصدر الحقيقي للشرعية والتغيير.
إن تكرار الثورات الشعبية في السودان لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه دليلاً على عدم الاستقرار، بل بوصفه دليلاً على حيوية المجتمع وقدرته على تصحيح مساره كلما انحرفت الدولة عن رسالتها. فالشعوب التي تستسلم لا تثور، أما الشعوب التي ما زالت تؤمن بحقها في المستقبل فإنها تعود في كل مرحلة لتطالب بإصلاح الدولة وتجديد العقد السياسي. ومن هنا فإن ثورات أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وديسمبر 2018، ليست مجرد أحداث متفرقة، بل حلقات في تاريخ طويل من السعي نحو بناء دولة أكثر عدلاً ومشاركة.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام السودان ليس صناعة إنسان جديد، بل بناء دولة جديدة قادرة على استعادة عقول أبنائها وطاقاتهم. فالسودان لا يعاني من نقص في الكفاءات، وإنما يعاني من بيئة دفعت كثيراً من أفضل أبنائه إلى النجاح خارج حدوده. ولذلك فإن مشروع النهضة يبدأ بإصلاح الدولة، حتى يصبح نجاح السوداني في الداخل هو القاعدة، لا نجاحه في المهجر.
وإذا كان المعيار العلمي للحكم على قدرات الشعوب هو ما تحققه عندما تتوافر لها بيئة مؤسسية مستقرة، فإن تجربة السودانيين خارج وطنهم تقدم دليلاً يصعب تجاهله. فالاختبار الحقيقي لأي فرضية لا يكون بإطلاق الأحكام، وإنما بمقارنة النتائج في بيئات مختلفة. وقد أثبت آلاف السودانيين الذين عملوا في دول الخليج، ومصر، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، وأفريقيا، حضوراً متميزاً في الطب، والهندسة، والتعليم الجامعي، والإدارة، والقضاء، والاقتصاد، والمنظمات الدولية، ومراكز البحث العلمي، كما برزت كفاءات سودانية في الأمم المتحدة، والجامعات العالمية، والشركات الكبرى. ولو كانت المشكلة كامنة في طبيعة الإنسان السوداني أو تكوينه الثقافي، لما تحقق هذا النجاح الواسع في مجتمعات وثقافات متباينة. إن النتيجة التي تقود إليها هذه المقارنة واضحة، الإنسان هو نفسه، لكن الذي تغير هو البيئة المؤسسية، وجودة الإدارة، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، واستقرار الدولة. وهذا ما تؤكده العلوم الاجتماعية الحديثة، التي ترى أن أداء الأفراد يرتبط بنوعية المؤسسات التي تعمل على احتضان قدراتهم أكثر من ارتباطه بصفات ثابتة في أصلهم أو ثقافتهم. ومن ثم فإن نجاح السودانيين في الخارج لا يمثل استثناءً، بل يعد دليلاً علمياً على أن الأزمة تكمن في البيئة السياسية والمؤسسية التي أعاقت توظيف طاقات الإنسان السوداني داخل وطنه، لا في الإنسان نفسه.
ومن الناحية المنطقية أيضاً، إذا كان الإنسان السوداني عاجزاً بطبيعته عن البناء كما يُقال، فكيف نفسر نجاح ملايين السودانيين في الجامعات، والمستشفيات، ومراكز الأبحاث، والمؤسسات الاقتصادية في دول الخليج، ومصر، وأوروبا، وأمريكا الشمالية؟ هل تغيرت طبيعتهم بمجرد عبور الحدود؟ أم أن البيئة المؤسسية هي التي سمحت لهم بإظهار قدراتهم؟
إن نجاح السوداني في الخارج وفشل الدولة السودانية في الداخل لا يثبت ضعف الإنسان، بل يكشف خللاً في بنية الدولة ومؤسساتها. وهنا يجب التمييز بين المجتمع والدولة. فالدولة قد تفشل، لكن المجتمع يبقى قادراً على إنتاج قيم التكافل والتعاون والصمود.
وقد أثبتت الح.رب الأخيرة أن المجتمع السوداني، رغم انهيار كثير من المؤسسات، استطاع أن ينظم المبادرات الشعبية، ويستقبل النازحين، ويؤمن الغذاء، ويعيد إنتاج أشكال جديدة من التضامن الاجتماعي. وهذا لا يحدث في مجتمع فاقد للحيوية، بل في مجتمع يمتلك رصيداً كبيراً من رأس المال الاجتماعي.
ولعل التاريخ السوداني نفسه يقدم الرد العملي على أي تصور يختزل الإنسان السوداني في صورة العجز أو السلبية. فهذا الشعب كان من أوائل الشعوب العربية والأفريقية التي أسقطت أنظمة عبر الانتفاضة الشعبية السلمية، في ثورة أكتوبر 1964، ثم انتفاضة أبريل 1985، ثم انتفاضة ديسمبر الثورية 2018. وقد تختلف التقييمات السياسية لنتائج هذه الثورات، لكن مجرد قدرتها على الحشد الشعبي السلمي، وتجديد المطالبة بالحرية، يؤكد أن المجتمع السوداني يمتلك حيوية سياسية ومدنية لا تنسجم مع الصورة التي تختزله في العجز أو البدائية.
ولعل انتفاضة ديسمبر 2018 الثورية، تمثل إحدى أهم الشواهد على حيوية الشخصية السودانية وقدرتها على تجديد نفسها. فقد خرج ملايين السودانيين، رجالاً ونساءً، وشباباً وكهولاً، مطالبين بدولة تقوم على الحرية والسلام والعدالة، في مشهد أكد أن الانتفاضة السلمية أصبحت إحدى السمات المتكررة في التاريخ السياسي السوداني، وليست حدثاً عابراً. غير أن تعقيدات المرحلة الانتقالية، وتشابك المصالح الداخلية والإقليمية والدولية، والصراع على الموقع الجيوسياسي والموارد التي يملكها السودان، كلها عوامل أسهمت في إضعاف مسار الانتقال، كما أن هذه القوى عملت لإجهاض الانتقال المدني الديمقراطي، وعند ما فشلوا في إعاقتها جاءوا بانقلابهم المسنود من الصهيونية ودول الجوار العربي الأفريقي. حيث انتهى الأمر إلى الح.رب التي يعيشها السودان اليوم. ولا يمكن فهم هذه الح.رب بمعزل عن التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في السودان، أو عن تضارب المصالح بين القوى المختلفة. ومن المفارقات أن هذه التدخلات، بدلاً من أن تكون دليلاً على ضعف المجتمع السوداني، تكشف في جانب منها عن الأهمية الاستراتيجية للسودان، وعن الحيوية السياسية لشعب ظل، عبر تاريخه، قادراً على المطالبة بالتغيير كلما أُغلقت أمامه أبواب الإصلاح السلمي.
ولم يقتصر أثر الشخصية السودانية على الداخل، بل امتد إلى محيطها العربي والأفريقي. فقد أسهمت الجامعات السودانية، لعقود طويلة، في تخريج آلاف الطلاب من مختلف الدول الأفريقية والعربية، الذين عاد كثير منهم ليتولى مواقع قيادية في الإدارة، والتعليم، والطب، والهندسة، والقضاء، والعمل الدبلوماسي. كما شارك السودانيون في بناء مؤسسات التعليم والخدمة المدنية في عدد من الدول العربية والأفريقية. وهذه الحقيقة تؤكد أن السودان لم يكن مجرد متلقٍ للتأثير، بل كان أيضاً منتجاً للمعرفة، ومصدّراً للكفاءات، وشريكاً في بناء الإنسان في محيطه الإقليمي، وهو ما يتناقض مع أي محاولة لاختزال الشخصية السودانية في صورة العجز أو الفشل.
ولم يثبت السودانيون قدرتهم على النجاح في أوقات الاستقرار فقط، بل أثبتوا أيضاً قدرة استثنائية على حماية مجتمعهم عندما ضعفت مؤسسات الدولة. فمنذ اندلاع الح.رب، ظهرت آلاف المبادرات الشعبية التي وفرت الغذاء، والإيواء، والرعاية الصحية، والتعليم المؤقت، واستقبال النازحين، وإعادة تنظيم الحياة اليومية في كثير من المدن والقرى. ولم تكن هذه المبادرات عملاً عفوياً فحسب، بل كشفت عن رصيد كبير من رأس المال الاجتماعي، وعن ثقافة راسخة في التكافل والتعاون وتحمل المسؤولية الجماعية. وهذا السلوك لا يصدر عن مجتمع فاقد للحيوية، وإنما عن مجتمع يمتلك مناعة اجتماعية مكّنته من الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك رغم انهيار كثير من مؤسسات الدولة.
أما الحديث عن غلبة عنصر عرقي، باعتباره سبباً للتخلف، فهو طرح لا يجد له سنداً في العلوم الاجتماعية الحديثة، لأن الدراسات المعاصرة تفسر التنمية والتخلف من خلال التعليم، والحوكمة، وسيادة القانون، وجودة المؤسسات، لا من خلال الأعراق. بل إن أخطر ما في هذا النوع من التفسير أنه يحول المشكلات السياسية القابلة للإصلاح إلى صفات ثابتة في الشعوب، وبذلك يغلق باب التغيير قبل أن يبدأ.
ولا شك أن السودان يحتاج إلى مراجعة شاملة لتجربته السياسية، وإصلاح مؤسساته، وإعادة بناء دولته، وتطوير نظامه التعليمي، وتعزيز ثقافة المواطنة وسيادة القانون. لكن هذا الإصلاح يبدأ من الإيمان بقدرة الإنسان السوداني على البناء، لا من التشكيك في قيمته.
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الباحث هو أن يجعل الماضي حكماً نهائياً على المستقبل. فالسودان ليس بلداً انتهى تاريخه، وإنما دولة ما زالت تبحث عن مشروعها الوطني الجامع. وقد أثبتت الأمم أن الثروات وحدها لا تبني الدول، كما أن الح.روب لا تمنع نهضتها إذا توافرت الإرادة والمؤسسات والرؤية. ولذلك فإن مستقبل السودان لن تحدده صورة الح.رب الراهنة، وإنما قدرة السودانيين على تحويل دروسها إلى مشروع جديد للدولة والتنمية والعدالة.
إن السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بتفسير أسباب الأزمة، وإنما بالقدرة على تحويلها إلى نقطة انطلاق لبناء دولة جديدة.
ومن المنظور القومي العربي، فإن السودان لا يمثل حالة منفصلة عن محيطه، بل يشكل أحد المكونات الأساسية للأمن القومي العربي، بما يملكه من موقع جغرافي، وموارد طبيعية، وامتداد حضاري وإنساني. ولذلك فإن تعثر السودان لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه فشلاً لشعب، بل بوصفه خسارة للمشروع العربي كله، تماماً كما أن نهضته المستقبلية ستكون إضافة إلى قوة الأمة العربية بأسرها. فالأمم لا تُقاس بما يصيب أحد أجزائها من أزمات، وإنما بقدرتها على تحويل الأزمات إلى مشاريع نهوض جماعي.
إن مستقبل السودان لا يعني السودانيين وحدهم، لأن السودان ظل عبر تاريخه أحد أعمدة الفضاء العربي والإفريقي، وجسراً بين المشرق العربي وعمقه الإفريقي. واستقرار السودان ليس مكسباً وطنياً فحسب، بل عنصر أساسي في استقرار الإقليم كله. ومن هنا فإن التعامل مع السودان ينبغي أن ينطلق من منطق الشراكة العربية في البناء والتنمية، لا من منطق الوصاية أو إدارة الأزمات. فالدول لا تُبنى بإعادة إنتاج صور نمطية عن شعوبها، وإنما ببناء مؤسساتها، وإطلاق طاقات مواطنيها، وتعزيز تعاونها مع محيطها العربي والإفريقي على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الأمم هو أن تفقد ثقتها بنفسها، وأخطر ما يمكن أن تفعله الباحث هو أن يفقد ثقته بقدرة الإنسان على التغيير. فالشعوب ليست معادلات بيولوجية، ولا الأعراق مشاريع سياسية، ولا التاريخ سجناً أبدياً. لقد أثبت الإنسان، في كل الحضارات، أنه قادر على تجاوز الهزيمة متى امتلك مشروعاً وطنياً، ودولة عادلة، ومؤسسات كفؤة. والسودان، رغم جراحه، لا يحتاج إلى إعادة تعريف إنسانه، بل إلى إعادة بناء دولته. فالمستقبل لا تكتبه الأحكام المسبقة، وإنما يكتبه الشعب الذي يؤمن بأن التاريخ لا ينتهي عند الأزمات، بل يبدأ أحياناً منها.
#آراء_حرة #السودان #نهضة_الدول #بناء_المؤسسات #العلوم_الاجتماعية #الوعي_التاريخي #التنمية_المستدامة #الهوية_السودانية #مستقبل_السودان #الأمن_القومي_العربي #العمل_الوطني #التغيير_السياسي #قضايا_معاصرة #الفكر_السياسي #الإصلاح_المؤسسي #الاستقرار_الإقليمي #المجتمع_السوداني #تحديات_التنمية #السيادة_والقانون #النهضة_العربية

Leave a Reply