البندقية لا تبني دولة: ورطة الإدارة المدنية وتكرار مأساة التاريخ السوداني 

صحيفة الهدف

ماجد الغوث

من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها قوات الدعم السريع خلال الح.رب، أنها اعتقدت أن الانتصار العسكري يمكن أن يتحول تلقائياً إلى قدرة على إدارة المدن والدولة. فحين شرعت في تكوين ما سمّته بالإدارات المدنية داخل مناطق سيطرتها، بدا الأمر في ظاهره محاولة لملء الفراغ الإداري، لكنه في الحقيقة كشف أزمة عميقة تتعلق بطبيعة العقلية التي تدير المشهد.

الإدارة ليست امتداداً للمعركة، وليست مجرد فرض سيطرة بالسلاح. الإدارة علم وفن يقوم على التخطيط والتنظيم والرقابة وتنسيق الموارد البشرية والاقتصادية لتحقيق الاستقرار والخدمة العامة. أما القيادة العسكرية، مهما بلغت قوتها، فهي بطبيعتها قائمة على الحسم والطاعة وتنفيذ الأوامر. ولهذا فإن نقل المقاتلين أنفسهم من ساحات القتال إلى كراسي الإدارة المدنية كان خطأً قاتلاً، لأن عقلية الميدان لا تبني مؤسسات دولة.

ما حدث عملياً داخل المدن التي سيطر عليها الدعم السريع أكد هذه الحقيقة بوضوح. فبدلاً من بناء جهاز مدني محترف، ظهرت الفوضى والنهب والصراع على الغنائم. المؤسسات المالية والتجارية، المخازن والمصانع، وحتى منازل المواطنين، تحولت إلى ساحات شفشفة وتنافس على المكاسب. والأخطر أن القوى التي كانت ترفع شعار الحماية والسيطرة أصبحت نفسها جزءاً من حالة الانفلات. وهنا ظهرت الأزمة الحقيقية: غياب الفاصل بين السلطة العسكرية والإدارة المدنية.

لكن الانهيار لم يكن إدارياً فقط، بل اجتماعياً وقبلياً أيضاً. فمع غياب العدو المشترك بدأت التناقضات الداخلية تطفو على السطح. ظهرت العصبيات القبلية والتراتبية داخل المجموعات المسلحة، وتحولت الولاءات من مشروع عسكري موحد إلى صراعات نفوذ وانتماءات ضيقة. تمددت أسرة آل دقلو في قمة الهرم، وتحتها تفجرت حساسيات بين المكونات المختلفة؛ هذا رزيقي، وهذا زقاوي، وآخر من عرب الشتات. ومع الوقت أصبحت البندقية التي كانت موجهة نحو الخصم، موجهة إلى الداخل في صراع على النفوذ والغنائم.

هذا المشهد ليس جديداً على السودان، بل هو تكرار حرفي لواحدة من أهم محطات التاريخ السوداني: مرحلة ما بعد الثورة المهدية عام 1885. فالإمام المهدي استطاع خلال سنوات قليلة أن يقود ثورة وطنية هزمت الحكم التركي المصري وحققت تحريراً تاريخياً للسودان. لكن الأزمة بدأت بعد ذلك، عندما انتقلت الثورة من مرحلة القتال إلى مرحلة بناء الدولة.

الخليفة عبد الله التعايشي واجه معضلة مشابهة؛ فقد اعتمد على أهل الولاء العسكري والعصبية القبلية لإدارة دولة معقدة ومترامية الأطراف، بينما تم تهميش أصحاب الخبرة والكفاءة الإدارية. وبدلاً من تأسيس مؤسسات دولة حديثة، دخلت البلاد في صراعات داخلية وقبلية ومناطقية أضعفت التجربة المهدية من الداخل، رغم الانتصارات العسكرية الكبرى التي سبقتها.

التاريخ السوداني يكرر درسه بوضوح: هدم النظام القديم قد يحتاج إلى الشجاعة والسلاح، لكن بناء الدولة يحتاج إلى شيء مختلف تماماً؛ يحتاج إلى عقل إداري، ومؤسسات، وقانون، وقبول بالتنوع، وإيمان بالديمقراطية. فالمقاتل قد ينجح في إسقاط خصمه، لكنه ليس بالضرورة قادراً على إدارة مجتمع معقد ومتعدد مثل السودان.

ولهذا فإن تجربة الدعم السريع في الإدارة المدنية تحولت من محاولة لإثبات السيطرة إلى ورطة كشفت حدود القوة العسكرية نفسها. فالدولة لا تُبنى بعقلية الغنيمة، ولا تُدار بمنطق التروس والخنادق، ولا تستقر تحت سطوة العصبية القبلية. وأي مشروع سياسي لا يزاوج بين الروح الثورية والفكر الديمقراطي والإدارة العلمية، مصيره أن يعيد إنتاج الفشل القديم بصورة جديدة.

في النهاية، يظل الدرس الأوضح في التاريخ السوداني أن البندقية تستطيع أن تفتح الطريق، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني دولة.

#السودان #آراء_حرة #التاريخ_السوداني #بناء_الدولة #العلوم_السياسية #الإدارة_المدنية #الح.رب #المهدية #التجارب_السياسية #الواقع_السوداني #تحليل_سياسي #المؤسسات_العامة #الحكم_الرشيد #الوعي_التاريخي #السلطة_والعسكر #الديمقراطية #المجتمع_السوداني #تحديات_الانتقال #الأمن_والاستقرار #التنمية_الوطنية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.