تغرق مدينة الأبيض في بحر من المعاناة التي تتجاوز قدرة الوصف، حيث تحولت الحياة فيها إلى سباق يومي مع الموت، وتآكلت مقومات البقاء تحت وطأة انعدام الأمن، وارتفاع الأسعار الخيالي، وتفكك النسيج الاجتماعي بفعل القصف المستمر والتهديدات الأمنية. في هذا التقرير، تنقل “الهدف” شهادات حية توثق مأساة مدينة تقف على حافة الهاوية.
الأبيض: الهدف
الموت في المدارس
في مشهد يعكس قمة العبث، تصر السلطات المحلية على استمرار العملية التعليمية رغم جحيم الحرب، مطلقةً على هذا العام الدراسي اسم “العام المفقود”، مع إلغاء إجازة السبت. وتقول مواطنة من المدينة في حديثها لـ”الهدف”: “أصبحنا اليوم بخير الحمد لله، بعد يوم عصيب، حيث قصفت مسيرات منطقة تجمع مدارس صباح يوم أمس السبت 27 يونيو، مما أثار الرعب وسط أولياء الأمور والأهالي، وأصيب 8 تلاميذ إصابات طفيفة”. وتضيف بمرارة: “ما زالت آثار الرعب والصدمة تسيطر على الناس؛ وامتنع بعض الطلاب عن الذهاب إلى المدارس اليوم”.
هاجس النزوح
لم يعد الاستقرار خياراً متاحاً في ظل المؤشرات الميدانية المقلقة. وعن ذلك تقول ذات المواطنة: “تطورات الأحداث الأخيرة، والتحركات التي تحدث في الأبيض، من انسحاب ملاحظ للجيش، اضطرتنا للتفكير في الخيار الصعب، وهو مغادرة المدينة، لحماية بناتنا وأبنائنا، وخوفاً من التعرض لما حدث لمواطني الفاشر وقبلها الجزيرة من انتهاكات”.
جوعٌ لا يرحم
انحدر الوضع المعيشي إلى درك سحيق بحسب معلومات”الهدف”، حيث أصبحت الوجبات ترفاً بعيد المنال. وتوضح مواطنة أخرى لـ”الهدف”: “منذ بداية الحرب كنا متعايشين مع صعوبة الأوضاع، لكن صراحة اشتد علينا الخناق جداً، أولاً نحن حالياً نعاني بشدة من أزمة المياة، وهي أساس الحياة، اليوم “جوز الموية” بـ 5 آلاف، والجوز الواحد لا يكفي احتياجات البيت”. وتتابع: “رغم أننا منذ بداية الحرب خفضنا الوجبات إلى وجبتين في اليوم، إلا أننا ما زلنا نجد صعوبة في توفيرهما”.
وطبقاً لجولة مراسلي “الهدف” فإن الأسواق تعاني من تضخم مرعب يلتهم دخل المواطن البسيط، حيث بلغ سعر شوال الفحم بـ 85 ألفاً، والكيس بـ 3 آلاف (يكفي لوجبة واحدة). فيما بلغ سعر الـ 3 رغيفات بـ 1000 جنيه (الأسرة الكبيرة تحتاج 7 آلاف للوجبة)، كيلو السكر بـ 7 آلاف، ورطل الزيت بـ 7 آلاف.
كيلو اللحمة بـ 40 ألفاً، واللحم الصافي (الشرموط) بـ 60 ألفاً، وربع الكيلو بـ 10 آلاف، فيما لا يتوفر إمداد كهربائي إلا لـ 4 ساعات فقط يومياً.
طالباتٌ على الحافة
بينما يواجه الطلاب صعوبات جمة في الوصول إلى مدارسهم، تشير طالبة لـ”الهدف”: “ما مشيت المدرسة اليوم، ما عندي حق الفطور. وفي المواصلات لا يتم معاملتي كطالبة، بدفع زيي زي أي مواطن. المواصلات تكلف 6 آلاف مشية وجية، وبحتاج 10 آلاف لليوم الواحد”.
من جانب آخر تتفاقم معاناة طالبات الثانوي في الشوارع، حيث تقول إحداهن: “بنعاني من المواصلات، بنمشي مسافة ساعة قبل الزمن، والواحد يصل المدرسة منتهي مرة واحدة. ونعاني من الأوضاع في الشارع، تحت أي لحظة ممكن تلاقيني مسيرة، ونعاني من التحرشات في الشوارع من المشتركة، لفظية وجسدية، وعدد من البنات ماتوا في حوادث دهس، وما في جهة اتكلمت حول الموضوع”.
دموع الخيرصان
تختزل مواطنة من حي الخيرصان وجع المدينة، حيث تعمل في غسيل الملابس لتكسب 10 آلاف جنيه يومياً، يذهب معظمها في المواصلات. لكن فاجعتها الحقيقية تكمن في فقدان شقيقيها، سعيد (12 سنة) وأحمد (13 سنة)، اللذين استشهدا في ضربة مخيم بالمسيرة، ليصبحا شاهداً جديداً على فداحة الثمن الذي يدفعه أهل الأبيض.

Leave a Reply