بقلم الأستاذ عزالدين القوطالي ـ تونس
الهدف – مختارات
تعود علاقة المفكر اللبناني معن بشور بمؤسس البعث الأستاذ ميشيل عفلق الى زمن الصبا والطفولة بالنسبة للأول وزمن النفي والغربة بالنسبة للثاني ، فقد كان الطفل ذو 14 عشر سنة منحدرا من عائلة بشور اللبنانية التي صاهرها الأستاذ ميشيل عفلق من خلال زواجه بالدكتورة أمل بشور فضلا عن علاقة الصداقة التي كانت تربط ميشيل عفلق بالمناضل خليل بشور والد ذلك الصبي …
كان اللقاء الأول بعد وقوع كارثة الإنفصال بين سورية ومصر عام 1961 وهروب ميشيل عفلق الى لبنان حيث شاءت الأقدار أن يصاحب معن بشور والده في زيارة مجاملة الى الفندق الذي كان يقيم فيه الأستاذ ميشيل عفلق وهناك تمّت المصافحة الأولى عبر أهدائه نسخة من كتاب معركة المصير الواحد الصادر في حينها ، ويستذكر معن بشور تلك اللحظات قائلا : منذ أن تعرفت إليه في أوائل الستينيات، وأهداني رغم صغر سني آنذاك كتابه الثاني ـ معركة المصير الواحد ـ ليملأ ثقة في داخلي ما زلت أدين بالفضل فيها ، بعد الله ، إلى الرجل الكبير ثم إلى محبة إخواني ورفاقي .. ولقد أدركت من خلال هذا الإهداء مقدار التواضع الذي يتحلى به الأستاذ ميشيل عفلق ومقدار اهتمامه بالتواصل مع الأجيال الجديدة في الأمة …
ومنذ ذلك الحين بدأ إهتمام معن بشور بفكر البعث وأنخرط كليّا في الحزب الذي يمثّله ثمّ كان الإنفصال التنظيمي عن الحزب والنسيان الممنهج للفضل وصاحب الفضل فلم يكتب معن بشور حرفا واحدا حول الأستاذ ميشيل عفلق رغم تأليفه لعشرات المصنفات ومئات المقالات الفكرية السياسية وترأسه للعديد من الندوات والمحاضرات والمسامرات ذات البعد القومي …
وتواصل ذلك النكران الغريب والصمت المريب حتى بعد سقوط بغداد عام 2003 وتجريف قبر الأستاذ ميشيل عفلق من طرف عصابات الحقد الطائفي ، ولكن فجأة وبدون سابق إنذار وفي سن 2008 تحديدا يتذكّر معن بشور الأيام الخوالي ويستعيد ذكراياته المنسية ويستفيق من غفوة النسيان مبررا صمته السابق قائلا : أعتقد أن إحجامي عن الكتابة عن مؤسس البعث منذ رحيله ناجم عن الإحساس بأن ما من نص مهما برعت في إنشائه قادر أن يستوعب فكر الرجل وسيرته ، أو حتى أن يستوعب عمق العلاقة الفكرية والوجدانية التي ربطتني به ، بل كنت دائماً أخشى أن تتغلب عاطفتي نحو الرجل على الموضوعية في تقييم تجربته ، أو أن يتغلب حرصي على تجنب اتهامي بالعاطفية فاسلب الرجل الكبير الكثير مما يستحق …
ورغم أنّ هذا القول في الحقيقة يدخل ضمن دائرة التبرير إلاّ أنه يشكّل منعرجا مهمّا في عقل وضمير الأستاذ معن بشور وليس لنا والحالة تلك أن نحاكم النوايا أو نرجم الرجل بما لم يفكّر فيه أو ينطق به لسانه ، وكما يقول المثل الإنكليزي : أن تأتي متأخّرا خير من أن لا تأتي أبدا …
ولعلّ ما كتبه الأستاذ معن بشور بعد الصحوة المتأخرة يشفع له صمته السابق ويجبّ ما قبله من نسيان لصاحب الفضل الأستاذ الفقيد ميشيل عفلق ، وهنا بالتحديد لا يسعنا إلاّ نقل ما قاله معن بشور بعد سنوات من الصمت وفي قوله كسر لحاجز النسيان وإقرار بالخطأ والخطيئة حتى ولو كان الإقرار متأخرا نوعا ما …
يقول معن بشور متحدّثا عن صاحب الفضل : لقد لفتني في الأستاذ عنايته بالنص عناية استثنائية، فالمضمون الراقي عنده يحتاج إلى أسلوب راق، ونهضة الأمة كعمل إبداعي شامل تستدعي إبداعا في الكلمة والعمل، في الفكر والممارسة، في الرؤية والحركة على حد سواء، فجمعت مقالاته بين قوة النص الأدبي وعمق النص الفكري.
وبالتأكيد ، هناك جوانب كثيرة في فكر الراحل الكبير وسلوك تستحق وقفة تقدير منها انه كان قدوة في الزهد والحياة البسيطة الخالية من كل أشكال الاستعراض، وكما كان رغم هدوئه المميز، صلباً في مواقفه، ثابتاً على مبادئه، حريصاً على تغليب الرؤية القومية والإنسانية الأوسع على الرؤية الحزبية الضيقة، مدركاً إشكالية العلاقة بين التطلعات القومية الواسعة للبعث وبين الإمكانات المحدودة للسلطة في القطر، مشدداً على مركزية القضية الفلسطينية رافضاً الرهان على الأنظمة في تحريرها، داعياً إلى احتضان ثورتها وشعبها حتى ولو بدرت منها أخطاء، مولياً جزءاً مهماً من جهده وفكره لكل قطر وإقليم عربي.
لقد حان الوقت لإنصاف هذا المفكر العربي الكبير الذي اجتمعت على ظلمه وتشويه صورته وتزوير مواقفه قوى متعددة ، بعضها من داخل حزبه وبعضها من خارجه، بعضها من داخل تياره وبعضها من خارجه، بعضها من داخل أمته وبعضها من خارجها وفي جميع الحالات، كان الظلم يتضاعف حين يستسهل البعض التهجم عليه بإيحاءات تفوح منها رائحة تعصب فئوي ذميم.
إن إنصاف ميشيل عفلق لا يعني إغفال الجوانب السلبية في التجربة التي قادها، وهي ليست قليلة، بل في أن ندرك أيضا الجوانب الايجابية في تلك التجربة وهي كثيرة، وفي جميع الأحوال فإن عفلق لم يكن الوحيد بين الكبار في هذه الأمة، وهذا العالم، الذين تعرضوا لظلم غير مبرر.
ولعل نقطة البداية في عملية الإنصاف هذه تكمن في أن نعيد جميعاً، وأقول جميعاً بعثيين وغير بعثيين ، قراءة ميشيل عفلق والتعّمق في مسيرته.
ولعل من أبرز ما يمكن عمله في هذا المجال هو إنشاء مؤسسة ميشيل عفلق للدراسات القومية، كما عقد مؤتمر فكري سنوي في ذكرى رحيله لمناقشة أفكاره وتجربته من ضمن أفكار الحركة القومية العربية وتجاربها…
استقبلت في احد أقطار المغرب العربي منذ أشهر، وفداً من الطلبة الجامعيين الذين فوجئت بمستوى وعيهم وثقافتهم واستعدادهم النضالي ، وفوجئت أكثر إنهم بعثيون من مدرسة ميشيل عفلق رغم أن أغلبهم قد ولد بعد رحيل المفكر الكبير … شعرت حينها بالطمأنينة لأننا في أمة تحيا بصدق قادتها وشهدائها ومناضليها وعلى مدى العقود والقرون ، وتأكد لي فعلا أننا ما زلنا أمام نقطة البداية من جديد …

Leave a Reply