أبوبكر الطيب
إن القضية لا تتجسد في أسماء دخلت قائمة أو أسماء بقيت خارجها، ولم تكن معركتنا مع جهاز فني أو مدرب بعينه، فالأشخاص يذهبون وتأتي غيرهم، أما المبادئ فهي التي تبقى وتصنع الفارق بين مؤسسة تُدار بالكفاءة وأخرى تُدار بالمجاملات.
لهذا فإن ما يدفعنا إلى الكتابة اليوم ليس الإعلان عن قائمة منتخب البراعم والناشئين المتجه إلى ليبيا، وإنما السؤال الذي ظل يرافق الرياضة السودانية سنوات طويلة، حتى أصبح من أكثر الأسئلة إلحاحًا: كيف نختار من يمثل السودان؟
هل يرتدي قميص الوطن من أثبت أنه الأفضل بين أقرانه؟ أم أن الطريق إلى المنتخب ما زال يمر عبر الجغرافيا والعلاقات وضيق دائرة الاختيار؟
فالمنتخب القومي ليس منتخب العاصمة، وليس منتخب ولاية بعينها، وليس امتدادًا لنادٍ أو رابطة، وإنما هو الصورة التي يرى بها السودان نفسه. وعندما يرفع لاعب علم بلاده في محفل خارجي، فإن خلفه وطنًا بأكمله، لا مدينة واحدة ولا شارعًا واحدًا.
ومن هنا يبدأ القلق.
فالمتابع لآلية اختيار المنتخبات السنية يلاحظ أن دائرة البحث عن المواهب تضيق عامًا بعد عام، حتى تكاد تنحصر في نطاق جغرافي محدود، وكأن السودان، بكل اتساعه وتنوعه، قد اختُزل في مساحة واحدة. وإذا صح هذا النهج، فإننا لا نكون قد ظلمنا لاعبًا أو اثنين، وإنما نكون قد أرسلنا رسالة خاطئة إلى آلاف الأطفال في الولايات مفادها أن الطريق إلى قميص الوطن لا يبدأ من ملاعبهم مهما تألقوا، وإنما من مكان آخر.
وهنا تتجاوز القضية حدود كرة القدم، لتلامس معنى العدالة نفسه.
إن مشكلة الرياضة السودانية لم تكن يومًا في فقرها في المواهب، وإنما كانت في فقرها في الوصول إليها. كم من لاعب وُلد نجمًا في ملاعب التراب، ثم انطفأ قبل أن يراه أحد؟ وكم من موهبة دفنتها العزلة، لا ضعف الإمكانات؟
ليست المشكلة أن الولايات لا تُنجب لاعبين، وإنما أن أعين الباحثين عن المواهب كثيرًا ما لا تصل إليها.
ومن المؤلم أن هذه الأزمة ليست وليدة اليوم، وإنما هي امتداد لثقافة قديمة تسللت إلى الرياضة السودانية حتى أصبحت عند البعض أمرًا مألوفًا؛ ثقافة “زولي وزولك”، والمجاملات، والتوصيات، والنظر إلى الأسماء قبل القدرات. وهي ثقافة لم تحرم أفرادًا من فرصهم فحسب، ولكنها حرمت السودان نفسه من أفضل ما يملك.
ولعل ما يميز هذه الثقافة أنها تضرب الفئات السنية تحديدًا، لأن هذه المراحل ليست ساحة للمجاملات، وإنما هي المصنع الذي تُبنى فيه المنتخبات الأولى. فإذا أخطأنا هنا، فإننا ندفع الثمن سنوات طويلة. اللاعب الذي يُحرم من فرصة عادلة في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة قد لا يجد بابًا آخر يعود منه، فنكون قد خسرنا مشروع نجم قبل أن يولد.
إن المجاملة في الفئات السنية ليست ظلمًا للحاضر وحده، وإنما سرقة للمستقبل.
ولذلك فإن أي قائمة تُبنى على قاعدة جغرافية ضيقة تطرح سؤالًا مشروعًا: هل شاهد القائمون على الاختيار كل المواهب الممكنة قبل أن يحسموا قراراتهم؟ فإن كانت الإجابة نعم، فكيف تم ذلك في ظل الظروف التي تمر بها البلاد؟ وإن كانت الإجابة لا، فكيف نطمئن إلى أن القائمة تمثل أفضل ما في السودان؟
ليس من العدل أن نقول إن هؤلاء هم الأفضل، إذا كان غيرهم لم يُمنح أصلًا فرصة المنافسة.
وليس من المنطق أن نختزل وطنًا مترامي الأطراف في عدد محدود من الملاعب، ثم نزعم أننا فتشنا عن الموهبة حيثما كانت.
لقد كان بالإمكان أن تُدار هذه المرحلة بروح أكثر عدلًا. بطولة مجمعة لمنتخبات الولايات، أو لجان فنية تجوب الأقاليم، أو معسكرات مفتوحة يخضع فيها الجميع لمعايير واحدة. قد تكون الظروف صعبة، لكن صعوبة الظروف لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لضيق دائرة الاختيار.
ومن هنا نوجه حديثنا إلى الكابتن جندي نميري، بكل الاحترام لتاريخه الرياضي وخبرته، لا لنشكك في نواياه، وإنما لنناشده أن يجعل من هذه التجربة بداية لمراجعة حقيقية. فالمسؤولية الملقاة على عاتقه لا تتعلق بالفوز في بطولة فحسب، وإنما بترسيخ الثقة في أن المنتخب القومي بيت لكل أبناء السودان، وأن أبوابه لا تُفتح بالموقع الجغرافي، وإنما بالموهبة والاجتهاد والاستحقاق.
إن الدفاع عن حق لاعب في الفاشر أو كسلا أو الأبيض أو بورتسودان أو دنقلا أو نيala ليس دفاعًا عن ولاية، وإنما دفاع عن السودان كله. فالمنتخب الذي يجمع أبناء الوطن على أساس الكفاءة وحدها هو المنتخب الذي يستحق أن يحمل علم البلاد، وأن يحظى بدعاء شعبها من أقصاها إلى أقصاها.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا:
إذا كان قميص الوطن قد فُصِّل على مقاس الجغرافيا، فمن الذي سيمثل السودان الحقيقي؟
ولأن العدل أساس كل بناء، فقد أدركت الناس هذه الحقيقة منذ القدم، فجاء في مأثور القول إن “الفضل ما شهدت به الأعمال، لا الأنساب ولا المواطن”.
إن قميص الوطن لا يعرف مدينة ولا جهة، وإنما يعرف لاعبًا استحقه بموهبته، وعرقه، وكفاءته.
وأهلك العرب قالوا: “إذا وُسِّد الأمر إلى أهله، استقام؛ وإذا حُمل على غير أهله، اضطربت نتائجه”.
والله المستعان.
#ابوبكر_الطيب #مقالات_رياضية #المنتخب_السوداني #الفئات_السنية #العدالة_الرياضية #السودان #الهدف_الرياضي #صحافة_رياضية #الهدف

Leave a Reply