أثار البيان الصحفي الذي أصدره حزب الأمة بشأن تحفظه على بند “فصل الدين عن الدولة” الوارد في ميثاق قوى إعلان المبادئ نقاشًا سياسيًا وفكريًا واسعًا. وقد جاء هذا النقاش أكثر وضوحًا بعد المقال الذي كتبه الأستاذ الواثق البرير موضحًا فيه أسباب تحفظ الحزب على هذا البند، حيث رفض ما أسماه بالدولة الدينية، كما رفض الدولة العلمانية، ودعا في المقابل إلى تبني مفهوم “الدولة المدنية”.
وسأبدأ من النقطة الأخيرة، أي من مصطلح الدولة المدنية نفسه. فهذا المصطلح، في تقديري، ليس مصطلحًا سياسيًا أو دستوريًا دقيقًا بالمعنى المتعارف عليه في الأدبيات السياسية العالمية، ولم يرد بوصفه نموذجًا مستقلًا للدولة في معظم القواميس والمراجع السياسية المعتمدة. وقد شاع استخدامه في السودان والعالم العربي أساسًا كشعار في مواجهة عسكرة الدولة والحكم العسكري، كما استُخدم في أحيان كثيرة بديلًا لمصطلح “الدولة العلمانية” بسبب الحساسية السياسية والاجتماعية التي أحاطت بهذا المصطلح في الوعي العربي.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل هناك فرق حقيقي بين الدولة المدنية والدولة العلمانية؟
الأستاذ الواثق البرير أعلن رفضه للدولة الدينية، وهو موقف نتفق معه تمامًا. فالدولة الثيوقراطية، التي تحتكر فيها المؤسسة الدينية السلطة السياسية بصورة مباشرة، تكاد تكون غائبة عن عالمنا المعاصر باستثناء حالات محدودة للغاية. أما التجربة التي عرفتها العديد من الدول العربية، ومنها السودان، فلم تكن في حقيقتها دولة دينية بالمعنى الثيوقراطي، وإنما كانت نموذجًا لما يُعرف بالإسلام السياسي، أي توظيف الدين واستغلاله في الصراع السياسي وفي الوصول إلى السلطة والمحافظة عليها. وللسودانيين تجربة قاسية وممتدة مع هذا النموذج خلال ثلاثة عقود تركت آثارًا عميقة على الدولة والمجتمع.
لكن الخلاف يبدأ عند موقف الأستاذ البرير من العلمانية. ففي مقاله استعرض نشأة العلمانية في سياقها الأوروبي التاريخي، واعتبر أنها لا تتناسب مع المعتقدات الدينية والثقافية للشعب السوداني، مستندًا إلى بعض الممارسات والصراعات التي صاحبت نشأتها الأولى في أوروبا. غير أن هذا الفهم يربط العلمانية حصريًا بظروفها التاريخية الأولى، بينما تطور المفهوم عبر قرون طويلة وأصبح يضم مدارس واتجاهات متعددة ومتباينة.
فالعلمانية، مثلها مثل الديمقراطية، ليست مفهومًا واحدًا جامدًا. فكما توجد أشكال متعددة للديمقراطية؛ برلمانية ورئاسية وشعبية وغيرها، توجد أيضًا نماذج متعددة للعلمانية تختلف من مجتمع إلى آخر وفقًا لخصوصياته التاريخية والثقافية والدينية.
واللافت للنظر أن الشروط التي عددها الأستاذ البرير للدولة المدنية هي نفسها تقريبًا المبادئ التي تقوم عليها الدولة العلمانية الحديثة: حرية الاعتقاد والفكر، والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، والمساواة في الحقوق والواجبات، وسيادة حكم القانون، واحترام الحريات العامة التي أقرتها المواثيق الدولية. فإذا كانت هذه هي مقومات الدولة المدنية، فأين يكمن الاختلاف الجوهري بينها وبين الدولة العلمانية؟
إن العلمانية لا تعني بالضرورة اقتلاع الدين من المجال العام، ولا تعني معاداة الدين أو اعتبار الهوية الدينية والثقافية عقبة أمام بناء الدولة الحديثة. هذا الفهم هو أحد أكثر التصورات شيوعًا، لكنه ليس بالضرورة الأكثر دقة. فهناك نماذج عديدة من الدول العلمانية التي حافظت على التدين المجتمعي واحترمت الخصوصيات الثقافية والدينية لشعوبها، مع ضمان حياد الدولة تجاه معتقدات مواطنيها كافة.
ومن منظورنا الفكري، فإن العلمانية لا تعني إقصاء الدين من حياة الناس، بل تعني منع استغلاله سياسيًا، وتنظيم العلاقة بين الدين والدولة بما يضمن عدم توظيف العقائد الدينية لتحقيق مكاسب حزبية أو احتكار السلطة باسم الدين. كما تعني المساواة الكاملة بين المواطنين أمام القانون، وصون حرية المعتقد والضمير، وإقامة دولة تستمد شرعيتها من المواطنة لا من الانتماء الديني.
إن المجتمع السوداني مجتمع متدين بطبيعته، ولا يتعارض ذلك مع وجود دولة حديثة محايدة تحترم الدين وتحميه من الاستغلال السياسي. بل إن حماية الدين نفسه قد تتطلب وجود مؤسسات دستورية وقانونية تمنع تحويله إلى أداة للصراع الحزبي أو وسيلة للإقصاء والتمييز بين المواطنين.
وعليه، فإن الخلاصة التي يمكن الوصول إليها هي أن التناقض بين الدولة المدنية والدولة العلمانية يبدو في كثير من الأحيان تناقضًا لفظيًا أكثر منه خلافًا جوهريًا حول المضامين. فالمبادئ التي تُطرح عادة تحت عنوان الدولة المدنية هي ذاتها المبادئ التي تتبناها العديد من صيغ العلمانية المعاصرة. وربما يكمن الخلاف الحقيقي في الحمولة التاريخية والسياسية لمصطلح “العلمانية” وما تعرض له من تشويه متعمد عبر عقود طويلة، الأمر الذي جعل قطاعات واسعة من الرأي العام تنظر إليه بريبة وتحفظ.
لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار المصطلحات بقدر ما يكمن في الاتفاق على المبادئ الدستورية والسياسية التي تضمن الحرية والمساواة والمواطنة المتساوية، وتمنع في الوقت ذاته استغلال الدين في الصراع على السلطة. فالأسماء قد تختلف، أما جوهر الدولة المنشودة فيبقى واحدًا.
#صحيفة_الهدف #السودان #الدولة_المدنية #الدولة_العلمانية #حزب_الأمة #الواثق_البرير #فصل_الدين_عن_الدولة #المواطنة #الفكر_السياسي #الوعي_الثوري

Leave a Reply