المسلمون في تجربة الجبهة الشعبية: من شراكة التحرير إلى هامش الدولة

صحيفة الهدف

ليست كل الأزمات السياسية نتاج قرارات خاطئة أو ممارسات عابرة؛ فبعضها ينشأ عندما تنجح منظومة ما في إعادة تعريف الواقع نفسه، بحيث يصبح الخلل جزءاً من المشهد الطبيعي، وتتحول المطالبة بمعالجته إلى تهمة تستوجب الدفاع والاعتذار.
وفي الحالة الإريترية، يصعب فهم طبيعة الدولة التي تشكلت بعد الاستقلال دون العودة إلى البنية الفكرية والتنظيمية التي صاغتها الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا. فالدول، في نهاية المطاف، لا تولد من فراغ، وإنما تحمل معها بصمات القوى التي أنشأتها، وتعيد إنتاج رؤيتها للعالم داخل مؤسساتها السياسية والعسكرية والثقافية.
لقد شارك المسلمون الإريتريون في مختلف مراحل الكفاح الوطني، وأسهموا في بناء الحركة الوطنية منذ بداياتها الأولى، ودفعوا أثماناً باهظة في ساحات القتال ومخيمات اللجوء ومواقع العمل السياسي. لكن السؤال الذي ظل مؤجلاً لعقود هو: هل انعكست هذه الشراكة في معادلة السلطة التي نشأت بعد الاستقلال؟
إن مجرد طرح هذا السؤال يكفي أحياناً لإثارة موجة من الاتهامات الجاهزة: إثارة النعرات، تهديد الوحدة الوطنية، استدعاء الانقسامات التاريخية. وهي استجابات تكشف حجم المشكلة أكثر مما تنفي وجودها. فالمجتمعات الواثقة من عدالة نظمها لا تخشى الأسئلة، أما الأنظمة التي تعتمد على الصمت أكثر من اعتمادها على الحقائق فإنها ترى في السؤال خطراً يفوق خطر الخلل نفسه.
لقد نجحت الجبهة الشعبية، خلال سنوات طويلة، في تقديم نفسها بوصفها التعبير الوحيد عن الوطنية الإريترية، وفي احتكار تعريف الانتماء الوطني ومعاييره. وضمن هذه العملية جرى تذويب التفاوتات البنيوية داخل خطاب عام يتحدث عن المساواة بينما كانت مراكز القوة الحقيقية تتشكل بعيداً عن أعين الجمهور.
ومع مرور الوقت أصبحت مؤسسات الدولة، المدنية والعسكرية والأمنية، تعكس اختلالاً واضحاً في موازين التأثير وصناعة القرار. ولم يكن ذلك نتيجة مؤامرة معلنة أو سياسة مكتوبة بقدر ما كان نتاجاً لتراكمات طويلة صنعت واقعاً بات من الصعب مناقشته دون إثارة حساسيات سياسية كبيرة.
إن المشكلة الأساسية ليست في وجود أفراد مسلمين داخل مؤسسات الدولة أو الحزب الحاكم، فذلك واقع لا يمكن إنكاره. وإنما في السؤال الأعمق المتعلق بموقعهم من دائرة القرار الفعلي، وبقدرتهم على التأثير في السياسات الكبرى للدولة، وبمدى انعكاس التنوع الإريتري الحقيقي في بنية السلطة ومراكز النفوذ.
لقد تحولت قضية التوازن الوطني مع الزمن إلى ملف مؤجل باستمرار. وكلما ازدادت الحاجة إلى مناقشته، ازدادت المحاذير التي تحيط به. وكأن المطلوب من المجتمع أن يتعامل مع الأعراض دون الاقتراب من أسبابها، وأن يصفق لفكرة الوحدة الوطنية بينما تترك الأسئلة المرتبطة بالعدالة والشراكة والمساواة الحقيقية خارج دائرة النقاش.
وما يزيد من تعقيد المشهد أن المعارضة الإريترية نفسها لم تتمكن من تحويل هذه القضية إلى مشروع وطني جامع. ففي كثير من الأحيان جرى تناولها إما بخطاب عاطفي يفتقر إلى الرؤية السياسية، أو بخطاب متردد يخشى مواجهة الحقائق خشية الاتهام بالطائفية أو الجهوية.
والنتيجة أن فراغاً سياسياً كبيراً ظل قائماً بين واقع يشعر فيه كثير من المسلمين بالتهميش، وخطاب رسمي ينكر وجود المشكلة من أساسها، ومعارضة لم تستطع حتى الآن بناء رؤية وطنية متماسكة لمعالجة جذورها.
إن الدول لا تستقر بالإنكار، ولا تتماسك بإخفاء التصدعات تحت الشعارات. فالعدالة ليست خطراً على الوحدة الوطنية، بل هي شرطها الأول. والمساواة ليست امتيازاً تمنحه السلطة حين تشاء، وإنما أساس العقد الوطني الذي يمنح الدولة شرعيتها واستمرارها.
ولذلك فإن مستقبل إريتريا لن يتوقف فقط على تغيير الأشخاص أو تبديل النخب الحاكمة، بل على قدرة الإريتريين جميعاً على إعادة بناء مفهوم الدولة على قاعدة الشراكة الحقيقية بين مكوناتها المختلفة علي قاعدة المواطنة المتساوية الحقوق ، بحيث يشعر كل مواطن بأن الدولة تعبر عنه بقدر ما تطلب منه الولاء لها.
وعندها فقط يمكن الحديث عن وطن يتسع للجميع، لا عن سلطة تطلب من الجميع أن يتسعوا لها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.