خوارزميات السجن الرقمي

صحيفة الهدف

عبدالمنعم مختار

عكف كثيرٌ منا، في ظل ويلات الح.رب وما خلّفته من محن ومصائب، على حمل همٍّ ثقيلٍ لا يفارقه؛ بيتٌ نُهب، ومدخرات تبخّرت، وسيارة كانت رمز استقراره صارت خبرًا في ذاكرة موجعة. وحين يجلس قليلًا ليلتقط أنفاسه ويفتح هاتفه كمن يبحث عن نافذة، تكون الخوارزمية قد سبقته إلى حزنه؛ مقاطع عن “انهيار الأمن”، وشهادات عن “خيانة الجيران”، وصور لبيوت منهوبة تشبه بيته حد التطابق.

#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:

لا تترك له فرصة لالتقاط معنى مختلف؛ كل ما يراه يعيد عليه الرسالة ذاتها: “لقد ضاع كل شيء.. ولا أمل”. فيكبر الألم، لا لأنه جديد، بل لأن تكراره يصنع وهم الحقيقة الوحيدة.

وفي مشهد آخر، يجلس أبٌ نزح هاربًا من ويلات الح.رب، يبحث عن ملاذ آمن في بلد لجوء، فيراقب أبناءه بقلق: لغة تتغير، سلوك يتبدل، ورفاق لا يعرف عنهم شيئًا. يمرر إصبعه على الشاشة، فتنهال عليه مقاطع عن “ضياع هوية الأبناء في الغربة”، وتحذيرات من “رفقة السوء”، وقصص عن الإدمان والانحراف. تتشكّل أمامه صورة قاتمة لمستقبل لم يقع بعد، لكنه يبدو، بفعل التكرار، كأنه قدر محتوم.

وفي مشهد ثالث، تقف ربة أسرة نزحت من غرب السودان على أطراف حياة جديدة لم تخترها؛ تركت بيتها وعملها وبيئتها التي ألفتها بكل تفاصيلها، لتجد نفسها في مكانٍ لا يشبهها. تحاول أن تتأقلم، أن تصمت على الغربة الثقيلة، لكنها تهمس أحيانًا: “ما عدنا كما كنّا”.

تمسك هاتفها كمن يبحث عن عزاء خفيف، فتجد الخوارزمية قد رتّبت لها عالمًا موازيًا: مقاطع عن “قسوة النزوح”، و”فقدان الهوية”، وسرديات تُضخّم الفجوة بينها وبين المجتمع الجديد. لا ترى محاولات النجاح الصغيرة ولا قصص الاندماج الممكن، بل يتكرر أمامها معنى واحد: “أنتِ غريبة.. ولن تصبح هذه الأرض لكِ”. ومع كل مشاهدة يتعمق الإحساس بالانفصال، لا لأن الواقع يرفضها، بل لأن ما يُعرض عليها لا يترك مساحة لاحتمال القبول.

المشكلة أن الإنسان في لحظة ضعفه لا يبحث عن الحقيقة، بل عن تفسيرٍ لألمه، والخوارزمية بارعة في تقديم هذا التفسير حتى لو كان منحازًا ومبتورًا. فهي لا تكذب، لكنها تختار بعناية ما تقوله وما تسكُت عنه؛ فتغيب قصص البناء والنجاة، وتحضر فقط روايات الانكسار.

وهكذا يتحوّل السخط المشروع إلى حالة دائمة، والتذمّر الطبيعي إلى عدسة يرى بها الإنسان كل شيء. لا لأن الواقع كله مظلم، بل لأن ما يُعرض عليه لا يسمح بمرور الضوء.

الخطر ليس في الألم، بل في تسليمه لمنصّة لا تعرفنا، فتقدّمه كأنّه الحقيقة الكاملة. وفي زمن تتنازع فيه الحقيقة مع “ما يُعرض”، يصبح الوعي ليس في أن نرى أكثر، بل في أن نُحسن الشك فيما نراه.

#السودان #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #عبدالمنعم_مختار #خوارزميات #السجن_الرقمي #تكنولوجيا #وعي #نزوح #غربة #ثقافة #نقد_اجتماعي #Sudan #Algorithms #DigitalPrison #Culture #Awareness

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.