د.أحمد الليثي
لم تكن السيجارة يومًا حرّية.. لكنها، في لحظةٍ ما، تعلّمت كيف ترتدي قناعها.
في عام 1929م، وخلال موكب عيد الفصح في نيويورك، رتّب رائد العلاقات العامة إدوارد بيرنيز حدثًا دعائيًا لافتًا: مجموعة من النساء يظهرن في العلن وهنّ يشعلن السجائر، في مشهد قُدِّم للصحافة بوصفه فعل تمرّد نسوي. أُطلق على السيجارة آنذاك اسم (Torches of Freedom) أي “مشاعل الحرّية”، وكان الهدف واضحًا: كسر الوصمة الاجتماعية عن تدخين النساء وفتح سوق جديد لشركات التبغ، وعلى رأسها (American Tobacco).
#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:
لم تكن مظاهرة بالمعنى التقليدي، بل مشهدًا مُصمَّمًا بعناية ليُقرأ كأنه حرّية، بينما هو في جوهره تسويق. سيدة تُشعل سيجارة، فتبدو كأنها تشعل تمرّدًا لا تبغًا، وتتحوّل لفافة دخان إلى رمز لا إلى عادة. هناك، لم تُكسَر القيود.. بل أُعيد تعريفها. لم يعد السؤال: هل التدخين ضار؟ بل صار: هل تجرؤين على أن تكوني “حرّة”؟
لم يكن ذلك صدفة؛ فإدوارد بيرنيز، ابن أخت سيغموند فرويد، تأثّر بأفكاره حول اللاوعي والرغبات المكبوتة والدوافع الخفية. لم يرَ الإنسان كائنًا عقلانيًا خالصًا، بل كيانًا تُحرّكه طبقات غير مرئية من الخوف والرغبة والتوق إلى الاعتراف. ومن هنا، لم يتعامل مع الجمهور كعقول تُقنع بالحجج، بل كنفوس تُستثار بالرموز حيث تختبئ الغرائز وتتشكل الرغبات.
لم يقدّم المنتج كما هو، بل أعاد صياغته ليُخاطب ما وراء الوعي: فالسيجارة ليست تبغًا.. بل استقلال، والشراء ليس استهلاكًا.. بل تحقيق ذات. لقد أدرك أن القرار لا يُصنع لحظة الاختيار، بل يُزرع قبل ذلك في طبقات أعمق، حيث تتشكّل المعاني قبل أن تتحوّل إلى أفعال.
لم تبقَ هذه الحيلة حبيسة الإعلان؛ فما صمّمه بيرنيز لتسويق السلع، وجد طريقه سريعًا إلى السياسة، حيث لا تُباع المنتجات بل تُصاغ القناعات. هناك، لا تُدار الشعوب بالحقائق وحدها، بل بالصور التي تراها، والرموز التي تصدّقها، والقصص التي تشعر أنها تعبّر عنها. تُرفع شعارات الحرّية فيسير الناس خلفها، لا لأنهم قرأوا تفاصيلها، بل لأنهم شعروا بها. ويُستدعى الخوف فتُعاد صياغة الأولويات، ويُختصر العالم في معادلات بسيطة: “نحن” و”هم”، “الأمان” أو “الخطر”، وسرديات تُبنى لتُشعِر الناس أنهم يدافعون عن أنفسهم.. حتى وهم يُدفعون في اتجاه مرسوم لهم.
وما بدأ كفنّ لإقناعك بشراء منتج، تطوّر إلى فنّ لإقناعك بأن ترى العالم بطريقة معيّنة. الفرق الوحيد: في الإعلان تُباع سلعة، أما في السياسة فقد تُباع قناعة، أو موقف، أو حتى مصير.
وهكذا، كما تحوّلت السيجارة إلى “مشعل حرّية”، يمكن لأي فكرة أن ترتدي القناع ذاته، فتُقنع الناس أنهم يختارون بينما هم في العمق يُوجَّهون. ما حدث يومها لم يكن عن التدخين، بل عن قابلية الإنسان لأن يصدّق الرمز أكثر مما يفهم الحقيقة.
وهنا تكمن الحيلة الكبرى: حين تُختطف اللغة النبيلة، وتُفرغ من معناها، ثم تُعاد تعبئتها بما يخدم السوق أو السياسة. الحرّية لم تعد قيمة تُعاش، بل صورة تُستهلك. والمعنى لم يعد يُولد من التجربة، بل يُصنع في مكاتب الدعاية. إن أخطر ما تفعله الدعاية ليس أنها تقنعك بشراء شيء، بل أنها تقنعك أنك حين تشتريه إنما تستعيد ذاتك. وهكذا لا يُباع المنتج فقط، بل تُباع معه فكرة عنك.. عن مَن يجب أن تكون.
#السودان #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #أحمد_الليثي #ثقافة #فكر #حرية #دعاية #تسويق #مجتمع #فلسفة #توعية #تاريخ #إعلام #Sudan #Culture #Freedom #Philosophy #Media #History

Leave a Reply