يُقدّم التقرير الرابع الصادر عن منظمة اليونسكو بعنوان “إعادة التفكير في السياسات الداعمة للإبداع”، والصادر في فبراير الماضي، رؤية تحليلية عميقة لتحولات المشهد الثقافي في ظل التسارع الرقمي وتنامي تأثير الذكاء الاصطناعي على الصناعات الإبداعية. غير أن أهمية هذا التقرير لا تتوقّف عند طابعه العالمي أو ثراء معطياته، بل تتجلى أساسًا في قدرته على فتح نافذة لقراءة الواقع الثقافي في البيئات الهشّة، وفي مقدمتها الحالة السو.دانية التي تعيش أزمة مركّبة في بنيتها الثقافية والمؤسسية والاقتصادية.
التقرير ينتمي إلى سلسلة دورية تُعنى بمتابعة تنفيذ اتفاقية عام 2005م الخاصة بحماية وتعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي، ويستند إلى معطيات من أكثر من 120 دولة، ما يمنحه طابعًا مقارنًا واسعًا يسمح بفهم التحوّلات الثقافية في سياقات متعدّدة. ويكشف التقرير أن العالم يعيش لحظة إعادة تشكيل عميقة لمفهوم الثقافة نفسه؛ حيث لم يعد الإبداع مرتبطًا فقط بالإنتاج الفني، بل أصبح جزءًا من منظومة رقمية واقتصادية معقدة تعيد تعريف القيمة والملكية والعائد.
في قلب هذا التحوّل، يبرز أثر الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية بوصفه العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل العمل الثقافي. فبينما يشهد العالم ارتفاعًا غير مسبوق في استهلاك المحتوى الثقافي، تشير المعطيات إلى تراجع متوقع في عائدات المبدعين بنسبة قد تصل إلى 24% بحلول عام 2028م، إلى جانب تآكل الدخل في قطاعات الموسيقى والسمعي البصري. هذا التناقض بين وفرة الاستهلاك وضعف العائد يضع المبدع في موقع هشّ، ويحوّل الإنتاج الثقافي إلى نشاط كثيف التداول لكنه ضعيف القيمة لصاحبه.
ويذهب التقرير إلى أن هذا الوضع ليس ظرفًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لقصور البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تنظم العمل الثقافي في معظم السياقات، وهو ما يظهر بوضوح مضاعف في الحالة السو.دانية. فغياب الحماية الاجتماعية، وضعف الاستقرار المهني، وتذبذب الدخل، كلها عوامل تجعل من المبدع السو.داني فاعلًا أكثر هشاشة، يعمل خارج أي مظلة مؤسسية مستقرة، ويعتمد في بقائه على المبادرات الفردية أو الدعم المحدود، لا على نظام ثقافي منظّم.
وفي السياق السو.داني تحديدًا، لا يبدو التحدي مرتبطًا فقط بالتحوّلات الرقمية، بل بغياب البنية التي تسمح أصلًا بالاندماج فيها. فالمشهد الثقافي لا يعمل ضمن اقتصاد إبداعي حقيقي، بل داخل فضاء متقطّع، تتداخل فيه الح.رب والهجرة والاضطراب السياسي مع ضعف المؤسسات الثقافية. ونتيجة لذلك، يصبح التحوّل الرقمي فرصة غير مستثمرة، إذ يتحوّل السو.دان إلى متلقٍ للمحتوى أكثر من كونه منتجًا له، ويظل حضوره في الاقتصاد الثقافي الرقمي محدودًا وهامشيًا.
وتتعمّق هذه الهشاشة مع استمرار غياب أنظمة الحماية الاجتماعية للمبدعين، حيث لا توجد آليات تضمن الاستمرارية أو الحد الأدنى من الاستقرار المهني. وهذا يجعل الإنتاج الثقافي نفسه عرضة للانقطاع، ويحوّل الإبداع من فعل تراكمي إلى ممارسة متقطعة، تنفصل فيها التجربة عن سياقها الطبيعي للنمو والتطور.
ومن زاوية أخرى، يكشف الواقع السو.داني عن فجوة أعمق تتعلّق بموقع الثقافة داخل مشروع التنمية. فالثقافة ما تزال تُعامل في كثير من الأحيان بوصفها نشاطًا هامشيًا لا يدخل في صلب التخطيط الاقتصادي أو الاجتماعي، رغم أنها تمثّل عنصرًا أساسيًا في تشكيل الوعي والهوية وإنتاج القيمة الرمزية. هذا الفصل بين الثقافة والتنمية يجعل الإبداع معزولًا عن السياسات العامة، ويحدّ من قدرته على التحول إلى قوة مجتمعية فاعلة.
عند قراءة تقرير اليونسكو من داخل هذا السياق، يتضح أن أهميته لا تكمن فقط في توصيف التحوّلات العالمية، بل في كشف حجم الغياب المحلي أمام هذه التحوّلات. فالمشكلة في السو.دان ليست فقط في سرعة العالم الرقمي، بل في بطء البنية الثقافية التي لم تُبنَ أصلًا على أسس مؤسّسية مستقرة.
ومن هنا، لا يطرح التقرير مجرد أسئلة تقنية حول تطوير السياسات الثقافية، بل يفتح سؤالًا أعمق يتعلق بإمكانية تأسيس بيئة ثقافية من الأساس؛ كيف يمكن تحويل الإبداع إلى قطاع منتج ومستدام، وكيف يمكن الانتقال من ثقافة تعتمد على المبادرات الفردية إلى منظومة تحمي المبدع وتدمجه في دورة اقتصادية واجتماعية واضحة.
إن القيمة الأهم لهذا التقرير في السياق السو.داني أنه يعيد صياغة السؤال الجوهري: ليس كيف نلحق بالعالم، بل كيف نبني ما يجعل اللحاق ممكنًا أصلًا. ففي غياب البنية، يصبح الحديث عن الاقتصاد الإبداعي أو التحوّل الرقمي مجرد خطاب معلّق، بينما يظل التحدي الحقيقي هو إعادة تأسيس المجال الثقافي نفسه على أسس مؤسسية عادلة ومستدامة.
#السودان #الثقافة_السودانية #اليونسكو #الإبداع #الذكاء_الاصطناعي #صحيفة_الهدف #ملف_الثقافة #الاقتصاد_الإبداعي #الحق_الثقافي #Sudan #Culture #UNESCO #CreativeIndustries #AI

Leave a Reply