عن مزاج الفيتوري وكرامة الشاعر

صحيفة الهدف

فخر الدين حسب الله

مؤكد أن محمد مفتاح الفيتوري سيظل واحدًا من أكثر الشعراء إثارةً للاهتمام، لا بسبب شعره فحسب، بل أيضًا لشخصيته التي امتزج فيها الاعتداد بالنفس، وخفة الظل، وتقلب المزاج في صورة نادرة. فالرجل لم يكن شاعرًا يكتب القصيدة فقط، بل كان حضوره وسلوكه امتدادًا حيًا لها.
تُروى عن الفيتوري حكايات كثيرة في الأمسيات والمنتديات، بعضها قد لا يكون موثقًا بدقة، لكنها تعكس جانبًا حقيقيًا من شخصيته. ومن تلك الحكايات قوله في إحدى الأمسيات: “الشاعر لا يُقدَّم.. الشاعر يُقرأ”. وسواء صحت الرواية حرفيًا أم لا، فقد جاءت في سياقٍ طال فيه تقديمه في أحد المنتديات.
كانت طرافته غالبًا ما تظهر في جمل قصيرة لامعة، أشبه بالديباجات، تحمل قدرًا من السخرية الهادئة، وكأنها أبيات شعر انفلتت من سياق القصيدة إلى الحياة اليومية.
والمُلفت في روح الفيتوري اعتداده بنفسه؛ فلم يكن يخفي ذلك، بل كان يراه جزءًا من كرامة الشاعر أو الفنان المبدع. ولم يكن هذا الاعتداد مجرد نزعة شخصية، بل كان يستند إلى مشروع شعري كبير ارتبط بقضايا التحرر والهوية، خاصة في سياق إفريقيا والعالم العربي.
وحين كان يتحدث عن نفسه أو عن موقعه، لم يكن ذلك من باب التفاخر المجاني، بل من باب الدفاع عن قيمة الشعر ودور الشاعر. لذلك نُسجت حوله حكايات كثيرة عن رفضه لبعض الترتيبات في أمسيات شعرية في القاهرة أو غيرها؛ إذ كان أحيانًا يحتج أو يتخذ موقفًا رافضًا، أو ينسحب من بعض الأمسيات. وهي، وإن لم تثبت كلها بدقة، إلا أنها تعكس صورة شاعر لا يقبل أن يُوضع على الهامش.
كان الفيتوري، ككثير من الشعراء الكبار، مزاجيًا في حضوره؛ إذ كان مزاجه متأرجحًا بين الإشراق والانطفاء. فقد يُبدع في أمسية إبداعًا لافتًا يملأ القاعة حضورًا وصوتًا، ثم في مناسبة أخرى يبدو مقتضبًا وسريع الانصراف، كأنه لا يرغب في إطالة البقاء.
هذا التقلب لم يكن ضعفًا، بل كان جزءًا من تكوينه الإبداعي. فالشاعر، في حالته، لم يكن يؤدي دورًا، بل كان يعيش لحظة داخلية تنعكس مباشرة على حضوره وأدائه. ولذلك كان حضوره أحيانًا مفاجئًا، وأحيانًا غامضًا، لكنه في جميع الحالات كان صادقًا وأمينًا وغير متكلّف.
وكثير من القصص المتداولة عن الفيتوري تقع في المسافة بين التوثيق والشفاهة؛ فهي ليست دائمًا مثبتة في كتب أو تسجيلات، لكنها لم تأتِ من فراغ، بل تشكّلت عبر تراكم صورة ذهنية في الوسط الثقافي عن شاعر عُرف بثقته بنفسه، وحساسيته العالية تجاه موقعه، وسرعة بديهته، ورفضه للترويض.
وفي حالة الفيتوري، لا يمكن فصل الشاعر عن الإنسان؛ فطرافة مواقفه، واعتداده بنفسه، وتقلب مزاجه، ليست تفاصيل هامشية، بل مفاتيح لفهم شعره ذاته.
لقد عاش الفيتوري كما كتب: حرًا، متمردًا، ومؤمنًا بأن الشاعر لا يُقاس بترتيبه في قائمة، بل بصوته الذي يبقى بعد أن تنتهي كل القوائم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.