الدرويش الذي لا يبحث عن وطن..

صحيفة الهدف

يوسف الغوث

ليس الشاعر محمد الفيتوري شاعرًا صوفيًا بالمعنى التقليدي للتصوف؛ فهو لا يبحث عن الفناء، ولا يتعبّد بالسماع، بل هو درويشٌ متمرّد، جعل من الخرقة الصوفية رايةَ احتجاج، ومن الذكر صرخةَ اغتراب.
يتحوّل التصوف في شعر الفيتوري من طقسٍ ديني إلى حالةٍ وجودية تعيش أزمة أمتنا العربية، وأزمة الروح في زمن الانهيار العربي. لذلك نراه يحوّل الموروث الصوفي إلى لغةٍ لمقاومة العزلة، لا للهروب منها.
وعندما يرسم الفيتوري صورة الدرويش، يحاول تجسيدها بعيدًا عن كرامات الأولياء وشطحاتهم، إلى حالة ذلك المتسوّل الغاضب، الذي يجول في فضاءات الانهزام العربي. لذلك نجد أن الفيتوري يبني صوفيته على إيقاع الألم وجلد الذات، على عكس منظومة السكون والوجدان.
إن الدرويش عند الفيتوري لا يرقص ابتهاجًا لله، بل ارتجافًا على وقع السياط في ظهره؛ فيتحوّل الذكر عنده إلى بكاءٍ جماعي. وهو بذلك يرسل تعابير تدل على أن الصوفية ليست حالة اغتراب أو هروب من الواقع، بل أسلوبًا للعيش، ووعاءً يحفظ الحزن من التبخر، ثم يحوّله إلى نغمةٍ نشاز تمزّق صمت القهر.
وعندما تتداعى الثنائيات عند الفيتوري (الظلمة والنور)، نفهم أنه يحاول تأسيس “لاهوت الأرض” بأشعاره؛ فالظلمة عنده لا ترمز إلى الضلال، والنور ليس فيضًا من تجلٍ، بل محاولة لخلق معادلةٍ تتساوى فيها النار بالماء عند قسوتهما، انطلاقًا من أن الفناء في الذات الإلهية لا يتم إلا حين يبلغ الفرد ذروة العشق والفناء في الأمة.
إن الفيتوري لم يؤسّس لطريقةٍ صوفية، لأنه اكتشف طريقته الخاصة في تطريب المأساة ووجع الأمة العربية. فهو شاعرٌ بلا سلطان أو وطن، تعايش مع جرح الأمة النازف، ورقص على جثته مغنيًا لأمةٍ لا تموت؛ لأنها أمةٌ تدربت على النهوض، والقيام عند كل قصيدةٍ يُلقيها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.