الفيتوري متحدّيًا الحرب يعلن حبّه للعراق

صحيفة الهدف

عبد المنعم مختار

بغداد، عاصمة الثقافة والآداب والفنون؛ مهد المحافل الشعرية. في العام 1988، لم تكن الحرب مع الفرس قد وضعت أوزارها؛ لكن القصيدة كانت تتلمس خطاها نحو السلام، والكلمات تمشي بحذرٍ، وكأنها تعرف أنها تستشعر أكثر من كونها تُقال. وجاء مهرجان المربد، الغني عن التعريف، وصعد شاعرنا محمد مفتاح الفيتوري إلى منصة المهرجان، لا بصفته شاعرًا عابرًا، بل بوصفه صوتًا جاء من تخوم إفريقيا، محمّلًا بتاريخ الانحياز للحرية، ومثقلًا في الآن ذاته بأسئلة اللحظة العربية، داعيًا للصمود والانتظار.
كان المربد حينها مسرحًا تاريخيًا للشعر، عبّر عن استراتيجية الدولة، وحمل دلالة السوق القديمة، حيث تتقاطع الأصوات وتتنافس القصائد. غير أن نسخته الحديثة ظلت عرضًا تُنظّمه الدولة، وتُحسن إخراجه، وتستدعي له الشعراء، وفي الآن ذاته تُسخّر منصات الثقافة والإعلام بخطابات الصمود والانتصار. في هذا السياق، لم يعد الشعر مجرد تعبير جمالي، بل اكتسب حضور الفيتوري دلالته، لأنه شاعر لا يشبه المنصات.
قبل بغداد، لم يكن الفيتوري شاعر مناسبات، وإنما شاعر قضية. في دواوينه، كانت إفريقيا تتكلم، وكان الأسود، الذي حُمّل قرونًا من التهميش، يستعيد صوته، لا بوصفه ضحية، بل كذاتٍ فاعلة، ثائرة، ومتصالحة مع جذورها. كما أن نزوعه الصوفي أضفى على تجربته بعدًا يتجاوز اللحظة السياسية إلى أفق إنساني أرحب.
لهذا بدا حضوره في مربد 1988 مفارقة لافتة: كيف لشاعرٍ طالما وقف في صف المهمشين أن يعتلي منصةً ترعاها سلطة في ذروة خطابها التعبوي؟ هل تغيّر الشاعر؟ أم تغيّرت القصيدة؟ أم أن الجميع كان ينظر إلى صدام حسين وشعبه وجيشه نظرة انتصار أعادت للعرب مجدهم؟
بغداد 1988: القصيدة في حضرة الحرب
في تلك الدورة، لم تكن القصائد تُستقبل بوصفها نصوصًا فقط، بل بوصفها مواقف أيضًا. الجمهور، والإعلام، والسياق العام، كلها كانت تعيد تأويل ما يُقال ضمن إطار أوسع من اللغة.
قصائد الفيتوري التي قيلت في العراق آنذاك، حتى حين تستدعي الرمز، لا يمكن فصلها عن هذا المناخ. العراق فيها ليس مجرد مكان، بل صورة مركبة: وطن عربي، وساحة صراع، وعلامة على صمودٍ وانتصار يُراد له أن يكون جماعيًا.
وقد تجلّى هذا الصوت في قصيدته (يأتي العاشقون إليك يا بغداد)، حيث يقول:
“لم يتركوا لك ما تقول
والشعرُ صوتكِ حين يغدو الصمتُ مائدةً..
وتنسكبُ المجاعةُ في العقول”
لكن اللافت أن الفيتوري، حتى وهو يقترب من اللغة الاحتفائية، لا يتخلى كليًا عن نبرته الخاصة. تظل هناك ظلال من صوته القديم: نزوع نحو الكوني، وميل إلى التخفف من المباشرة، وإشارات تتجاوز اللحظة إلى ما هو أبقى.
وفي استحضاره لبغداد بوصفها ذاكرة حضارية، يكتب في (تحديق في صورة قديمة):
“واستوحِ بغدادَ في ماضٍ وفي آتٍ
استوحِها وأضيء.. فالمجدُ في دمِها عطرٌ
وفي أرضِها سرُّ البطولات”
كأنه يكتب داخل النص.. وخارجه في آن.
هل ظل الفيتوري فيتوريًا؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس بسيطًا: هل ظل الفيتوري، في مربد 1988، هو ذاته شاعر (أغاني إفريقيا)، أم أنه أعاد تشكيل صوته بما يتناسب مع المنصة؟
ربما الأدق أن نقول: لم يتخلّ عن صوته، لكنه فاوضه. في بعض المقاطع، يبدو أقرب إلى الخطاب العام، حيث تتقدم النبرة الجماعية على الفردية، وفي مقاطع أخرى يتسلل صوته الخاص، خافتًا أحيانًا، لكنه واضح لمن يعرف تجربته.
ويظهر هذا التوتر بوضوح في قصيدته (هذا العراق)، حيث يقول:
“هذا العراقُ.. وكم من غاصبٍ عبرتْ
أحلامُه؛ ثمّ لم يحصدْ سوى التَّلفِ
هذا عراقُ العراقيين.. عزّتُهم
في النفسِ لا في حقولِ النفطِ والتَّرفِ”
إنها حالة “توازن هش” بين شاعر يريد أن يبقى وفيًا لنفسه، وسياقٍ يدفعه نحو لغةٍ أكثر تحديدًا، وأكثر انخراطًا في اللحظة”.
الشاعر والسلطة: منطقة رمادية
تجربة الفيتوري في المربد تفتح بابًا أوسع من مجرد قراءة مشاركة شاعر في مهرجان. إنها تمس سؤالًا قديمًا متجددًا: ما موقع الشاعر من السلطة؟ هل المشاركة تعني التأييد؟ هل يمكن للشاعر أن يكون ضيفًا دون أن يكون جزءًا من الخطاب؟ وهل يملك، في سياقات كهذه، رفاهية الرفض أصلًا؟
في الوطن العربي، حيث تتداخل الثقافة بالسياسة، كثيرًا ما يجد المثقف نفسه في هذه المنطقة الرمادية: لا هو مستقل تمامًا، ولا هو مندمج كليًا.
بعد عقود، يمكن قراءة تلك المشاركة بهدوء أكبر، بعيدًا عن ضجيج اللحظة، بوصفها تجربة تكشف تعقيد علاقة الشعر بالواقع.
ما يبقى، في النهاية، ليس فقط القصائد التي قيلت، بل الأسئلة التي أثارتها: عن الحرية، عن السياق، عن قدرة الشاعر على أن يكون نفسه.. حين لا يكون العالم كذلك.
فمحمد مفتاح الفيتوري في بغداد لم يكن مجرد شاعرٍ يقرأ نصوصه، بل كان، من حيث يدري أو لا يدري، يخوض اختبارًا صعبًا: كيف يظل الشاعر شاعرًا، حين تتحول المنصة إلى جزءٍ من مشهدٍ أكبر منه؟
ربما لا نملك إجابة حاسمة، لكن ما نعرفه أن تلك اللحظة، في مهرجان المربد عام 1988، لم تكن مجرد مناسبة ثقافية، بل كانت مرآة لعلاقة معقدة بين القصيدة والسلطة.. علاقة لا تزال، حتى اليوم، مفتوحة على التأويل.
وفي هذا الأفق، تبدو كلمات الفيتوري وكأنها تتجاوز لحظتها، لترسم صورة أعمق للعراق في وجدانه، إذ يقول في (أبي هو العراق):
“كأنّما كبرياءُ الأرضِ أجمعُها
تُنمى إليهِ، فما فيها سواهُ
أبي هوَ العراقُ، فقلْ للدوائرِ قِفي
شاخَ الزمانُ جميعًا.. والعراقُ صبيّ”.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.