تحول العشق إلى محاكمة عن بُعد

صحيفة الهدف

أبو بكر الطيب

نجد في القلعة الحمراء، لا شيء يحدث بهدوء… حتى الصمت هناك يبدو كأنه مقدمة لعاصفة هوجاء. رحيل المدرب، قدوم آخر، بيانات متضاربة، أقاويل كثيرة وجماهير لا تهدأ أبداً؛ مشهدٌ يبدو في ظاهره أزمة فنية كالعادة، لكنه في عمقه أقرب إلى “اختلال شعوري” يضرب علاقة النادي بجمهوره قبل أن يضرب خططه داخل الملعب.

ما جرى مع الغفلاوي، وما تبعه من جدلٍ حاد حول قرار إبعاده، كان شرارة كشفت هشاشة الاستقرار، وعمق الفجوة بين من يديرون المشهد ومن يعيشونه وجدانًا من على البعد. وعندما دخل المدرب نوفيتش المشهد، كانت الساحة مشحونة؛ حيث كل قرار يُقاس بميزان الشك، وكل خطوة تُقرأ بنظارات الريبة.

لكن… هل هذه هي القصة كاملة؟ أم أننا ننظر إلى الظلال ونغفل عن الحقيقة؟

الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن المريخ اليوم لا يلعب في أم درمان… وهذه ليست مجرد ملاحظة جغرافية، إنه زلزال نفسي يعصف بالصفوة. فالفريق الذي كان يستمد روحه من هدير المدرجات، وجد نفسه فجأة يلعب في صمتٍ غريب، بلا وجوه مألوفة، بلا ذلك الضغط الجميل الذي يصنع الهيبة، وبلا تلك “الطاقة الحمراء” التي كانت تقلب الموازين حتى في أصعب اللحظات.

في المدرجات، كان المشجع المريخي كائناً حياً داخل المعادلة: يهتف… فيرتفع الأداء. يغضب… فيرتبك اللاعب. يصفق… فيستعيد الفريق توازنه.

أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء؛ المشجع نفسه، الذي كان جزءاً من الحدث، أصبح خارج المشهد… يراقب من بعيد عبر شاشة تحول بينه وبين معشوقه، لا تنقل إلا النتيجة، ولا تحمل إليه نبض المباراة.

وهنا بدأ التحول الأخطر: من مشجع يساند ويدعم، إلى مشجع يُحاسب ويراقب ويعاقب. ومن عاشق يغفر، إلى ناقد لا يرحم.

إن الخسارة لم تعد تعثرًا ولكنها صارت “إدانة” وحكمًا مقضيًا فيه، ولم يعد الخطأ لحظة عفوية غير مقصودة وإنما صار “دليلاً وبرهانًا”، والمدرب أصبح مشروعًا وملفًا مفتوحًا للمراجعة الفورية حتى من غير المختصين.

وهكذا، تحولت منصات التواصل إلى مدرجات بديلة للمشجعين، لكنها مدرجات بلا قلب، بلا عاطفة، بلا حرارة، بلا إيقاع إنساني يوازن بين الغضب والاحتواء. هناك، تُكتب الأحكام بسرعة، وتُنفذ معنوياً في لحظتها على الهواء مباشرةً، دون مساحة للتريث أو الفهم أو إيجاد العذر.

وفي ظل هذا المناخ الجاف الحار، يصبح أي قرار إداري — حتى وإن كان صحيحًا — مادة للانقسام؛ لأن الثقة نفسها أصبحت عملة نادرة غير متوفرة. نعم… الإدارة تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية؛ التغيير المستمر في الأجهزة الفنية، غياب الاستقرار، اتخاذ قرارات حساسة في توقيتات حرجة… كل ذلك لا يمكن تبريره بسهولة.

لكن في المقابل، لا يمكن أيضاً قراءة هذه الأخطاء بمعزل عن الضغط الجماهيري “الرقمي” الذي لا يهدأ، ولا يمنح فرصة لبناء مشروع أو حتى اختبار فكرة. وهنا تتداخل الخيوط: الإدارة المضطربة، والجمهور القلق المتوتر، والفريق الغريب عن أرضه ومناخه. ثلاثة عناصر تدور في دائرة واحدة، كلٌ منها يغذي الآخر، حتى أصبح السؤال أكبر من مجرد “من أخطأ؟”.

السؤال الحقيقي الآن هو: من يعيد للمريخ إحساسه بنفسه؟ هل هي إدارة تعيد ترتيب البيت من الداخل بهدوء؟ أم مدرب ينجح في فرض مشروعه رغم العواصف؟ أم جمهور يعيد تعريف دعمه بعيداً عن منطق المحاكمات المستعجلة والمسبقة؟

ربما الإجابة ليست في طرفٍ واحد… ولكنها في إعادة بناء العلاقة نفسها. فالمريخ لم يكن يوماً مجرد فريق كرة قدم، وإنما كان حالة وجدانية كاملة، تتنفس من المدرجات قبل أن تتحرك في الملعب. وعندما تُسحب هذه الروح قسراً، لا يكفي أن تغيّر مدرباً… ولكن عليك أن تعيد خلق الإحساس الذي فقدته. لأن الأندية الكبيرة لا تسقط فقط عندما تخسر المباريات، ولكن عندما تفقد ذلك الخيط الخفي الذي يربطها بجمهورها.

واليوم، يبدو أن هذا الخيط قد أصبح مشدوداً أكثر من اللازم، قابلاً للانقطاع في أي لحظة. وأهلك العرب قالوا: “البُعد يبرد الشوق إن لم تُسقه الوصال، ومن غاب عنه الحبيب، خاصم الطيف والخيال”.

كل ما سألت عليك صدوني حراسك.. ردوا الجواب قاسي مع إني من ناسك.. ردوا الجواب قالوا كم غيرك إحتالوا.. غير صدهم لا شيء مننا نالوا.

والله المستعان.

#ملف_الهدف_الرياضي #نادي_المريخ #المارد_الأحمر #الكرة_السودانية #أبو_بكر_الطيب #الصفوة #تحليل_رياضي #المريخ #جمهور_المريخ #الشوق_والوصال #الهدف #السودان #حـ.رب_السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.