المحرر الثقافي
لطالما كان السؤال عن الهوية في وعينا الجمعي، السوداني والعربي على حد سواء، مرتبطاً بنوع من المفارقة الحادة؛ فنحن نعيش حالة من “الاعتداد الفائض” بكل ما هو ذاتي وأصيل، ونفاخر بإرثنا الممتد في أعماق العروبة وسمات الأفريقانية المتفردة، لكننا في الوقت ذاته، نسقط في كل منعطف حضاري في فخ الخوف الوجودي من “التذويب الثقافي”. هذا الارتباك يطرح سؤالاً جوهرياً (لماذا يظل شعورنا بالخصوصية قلقًا ومرتجفًا أمام رياح الآخر، رغم يقيننا بصلابة جذورنا؟
إن أصل هذا الخوف لا يكمن في ضعف قيمنا، بل في طبيعة علاقتنا بالزمن؛ فقد استكنّا طويلًا إلى “ثقافة دفاعية” ترى في الهوية درعًا للحماية لا أداة للتمدد، وتحول الاعتداد لدينا إلى حالة استرجاعية محضة تقتات على أمجاد الماضي، في حين يزحف العالم من حولنا بأدوات حداثة سائلة تمتلك القدرة على الاختراق عبر التكنولوجيا واللغة والصورة. نحن نخاف التذويب لأننا، وبشكل غير واعٍ، خلطنا بين “الأصالة” وبين “الجمود”، فتوهمنا أن الحفاظ على الذات يقتضي تحنيطها في متاحف التاريخ، متناسين أن الثقافة التي لا تتنفس أو تتفاعل مع الوافد وتطوعه لهويتها هي ثقافة تحكم على نفسها بالعزلة، والعزلة هي أولى خطوات الاندثار.
علاوة على ذلك، فإن غياب المؤسسات الثقافية التي تحول “الوجدان الشعبي” إلى “قوة ناعمة” قادرة على المنافسة الدولية، جعل الفرد منا يستهلك قيم الآخر مضطرًا، مما ولد لدى النخبة شعورًا بالهزيمة الحضارية يرتدي ثوب الخوف من الضياع. إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تحويل الهوية من “إرث ثقيل” نخشى عليه من الكسر، إلى “مشروع مستقبلي” حيّ وقادر على الهضم والتمثيل.
إن القوة الحقيقية لأي ثقافة لا تكمن في انغلاقها، بل في ثقتها بقدرتها على التلاقح دون أن تفقد جوهرها. فالثقافة السودانية، بعبقريتها التاريخية، لم تكن يومًا نتاجًا لصفاء عِرقي ، بل كانت ثمرة تزاوج فريد بين مكونات شتى صهرتها في بُوْتَقَة واحدة. لذا، فإن الخروج من فخ الخوف يتطلب منا الانتقال من خانة “حراس المعابد” إلى خانة “صناع الحياة”، لنثبت للعالم ولأنفسنا أن أصالتنا ليست قيدًا يمنعنا من التحليق، بل هي الأرض الصلبة التي ننطلق منها لنشتبك مع العصر دون وجل…
وما ملفنا… ملف”الهدف” الثقافي إلا أحد أبرز محاولاتنا للتحليق..
#ملف_الهدف_الثقافي #الهوية_السودانية #الثقافة_العربية #تحديات_العصر #التحول_الثقافي #السودان #فكر #الأصالة_والمعاصرة #الهدف #وعي

Leave a Reply