عبدالمنعم مختار
الغربة ليست أن تغادر وطنك بملء إرادتك أو مُرغمًا، كما أن الوطن ليس أن تبقى فيه. بين هذه وتلك يعيش محمد أحمد اليوم، كأن الجغرافيا نفسها فقدت قدرتها على تعريف الأشياء.
فمحمد أحمد، في الذاكرة الجمعية القديمة التي عاشتها أجيال سبقته، يعرف الوطن بطريقة بسيطة: بيت من الجالوص، حوش واسع، شجرة نيم، عنقريب في الظل، جار يعرف اسم أبيك، وأم تستيقظ مع نداء الصلاة وصباح ديك الفجرية، لتجهيز الشاي واللقيمات، و«حبوبة» تناديك من آخر الحوش: «يا ولد تعال هنا، أنا دايراك». كان الوطن شيئًا يُعاش قبل أن يكون شيئًا يُعرَّف.
ثم جاءت الـح.رب، فلم تكتفِ بأن تهدم البيوت؛ هدمت المعنى والمضمون الذي يجعل البيت بيتًا. فيا ويحك يا محمد أحمد من نتائج ح.رب لا ناقة لك فيها ولا جمل.
خرج النازح من أم درمان، أو الجزيرة، أو د.ارفور، أو كر.ديفان، لا لأنه اختار طريقًا جديدًا، بل لأن الطريق القديم صار مملوءًا بالمحن والموت. حمل ما استطاع، وترك خلفه ما لا يستطيع حمله: قبر أبيه، شجرة أمه، دفتر المدرسة، صورة زفاف، ومسبحة لالوب ورثها من جده، ومفتاح باب ربما لم يعد موجودًا.
أما اللجوء، فهو ليس انتقالًا من دولة إلى دولة فحسب. إنه انتقال من اليقين الراسخ في مخيلة محمد أحمد إلى المجهول، الذي فيه يصبح محمد أحمد فجأة بحاجة إلى أن يشرح لنفسه: من أين أتيت؟ لماذا جئت؟ أين جوازك؟ رقمك الوطني؟ هل لك عنوان؟ وكأن الإنسان، قبل الـح.رب، كان يملك حقًا بديهيًا في الوجود، ثم صار عليه أن يثبت ذلك.
أما المنفى، فهو أكثر التباسًا. قد تسكن مدينة آمنة، تأكل جيدًا، تنام دون أن تسمع أزيز الرصاص ودوي الدانات، لكن شيئًا في داخلك يظل واقفًا عند آخر شارع غادرته. المنفى أن تصبح حياتك في مكان، بينما أسئلتك في مكان آخر.
والنزوح أكثر قسوة؛ لأنه غربة بلا مسافة كافية للنسيان. النازح قد يكون على بُعد ساعات من بيته، لكنه عاجز عن العودة إليه. يرى سماء وطنه ولا يستطيع الوصول إلى أرضه.
ثم تأتي الغربة الأعمق: أن تعود.
تعود إلى الس.ودان بعد سنوات، فتجد الشارع الذي حفظته تغير، ورائحة داعش الفجر وحر هجير الظهيرة أصبحا نسيًا منسيًا، والدكان أغلق، والرفاق تفرقوا، والأطفال الذين كانوا يركضون في الحي صاروا رجالًا. تبحث عن مكانك فلا تجده. عندها تفهم أن الإنسان لا يفقد وطنه حين يغادره فقط؛ قد يفقده أيضًا حين يعود إليه.
ولعل المأساة الس.ودانية الكبرى ليست في أن ملايين الناس صاروا نازحين ولاجئين ومغتربين، وإنما في أن الوطن نفسه صار حالة مؤجلة.
نحن لا نبحث فقط عن حدود آمنة، ولا عن بيت نعود إليه؛ نبحث عن وطن لا يطرد أبناءه من أحلامهم، ولا يجعل النجاة امتيازًا، ولا يحول المواطن إلى غريب في أرضه.
فما قيمة أن تعود إلى بيتك إذا لم تعد تجد فيه الأمان؟ وما قيمة الوطن إذا صار الإنسان يخاف فيه من وطنه؟
ربما لهذا يحمل الس.وداني وطنه معه أينما ذهب: في لهجته، في رائحة القهوة، في «يا زول»، في أغنية قديمة، في حكايات الأهل، وفي ذلك الحنين الغامض إلى مكان لا نعرف هل نشتاق إليه كما كان، أم كما كنا نحن حين كنا نعيش فيه.
لقد سرقت الـح.رب منا الجغرافيا، لكن الخطر الأكبر أن تسرق منا القدرة على تخيل وطن يستحق العودة إليه، لنرتقي به للمصاف الذي نشتهيه.
فالعودة الحقيقية ليست أن نعبر الحدود إلى الس.ودان. العودة أن يصبح الس.ودان وطنًا مرة أخرى.
#السودان #الغربة #اللجوء #النزوح #الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #حنين

Leave a Reply