د. مبارك مامان
تكلمنا في الحلقة الماضية عن مشكلة انقطاع الأطفال عن التعليم والنتائج الكارثية المترتبة عليها والأثر الطويل والثمن الباهظ الذي يدفعه السودانيون مقابل ذلك. لا يحتمل الوضع انتظار الحلول السياسية الشاملة، بل يتطلب خطة طوارئ وطنية تبدأ فوراً.
أولاً: التدخلات الإسعافية العاجلة
وتشمل:
-
إنشاء برنامج وطني لحصر جميع الأطفال المنقطعين عن التعليم، مع قاعدة بيانات موحدة تحدد أماكنهم وأعمارهم واحتياجاتهم.
-
فتح المدارس الآمنة كلما سمحت الظروف الأمنية، مع استخدام المدارس المؤقتة والخيام والمراكز المجتمعية وأماكن العبادة كمقار تعليمية عند الضرورة.
-
إطلاق برامج التعليم المعجل للأطفال الذين فقدوا سنوات دراسية، حتى لا يصبح العمر عائقاً أمام العودة.
-
توفير التعليم عن بعد والتعليم الإذاعي والمنصات الرقمية حيثما أمكن، لضمان استمرار التعلم حتى في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
-
تقديم دعم نفسي واجتماعي واسع داخل البرامج التعليمية لمعالجة آثار الحرب والصدمات.
-
توفير الوجبات المدرسية والنقل والمستلزمات التعليمية لتخفيف العبء الاقتصادي عن الأسر.
-
إعطاء الأولوية لإعادة دمج الأطفال ذوي الإعاقة، والأطفال النازحين، والأيتام، والأطفال الذين تعرضوا للعنف والاستغلال.
-
حماية المدارس من الاستخدام العسكري، والالتزام الكامل بإعلان المدارس الآمنة.
ثانياً: الإصلاحات طويلة المدى
إن العودة إلى الوضع السابق للحرب لن تكون كافية، بل يحتاج السودان إلى إعادة بناء نظام تعليمي أكثر قدرة على الصمود. ويتطلب ذلك:
-
إعادة إعمار المدارس والبنية التحتية التعليمية وفق معايير السلامة والحماية.
-
تعيين وتأهيل آلاف المعلمين، مع توفير التدريب والدعم النفسي لهم.
-
تحديث المناهج لتشمل التربية على السلام، والتسامح، والمواطنة، وحقوق الإنسان، وحماية الطفل، والمهارات الحياتية.
-
الاستثمار في التكنولوجيا والتعليم الرقمي لتقليل أثر الأزمات المستقبلية.
-
بناء نظام إنذار مبكر يمنع انقطاع التعليم في حالات النزاعات والكوارث.
-
زيادة الإنفاق الحكومي على التعليم باعتباره استثماراً وطنياً، وليس بنداً يمكن تقليصه.
مسؤوليات الجميع
الحكومة
تقع على عاتق الدولة المسؤولية الأولى في إعلان التعليم أولوية وطنية، وتخصيص الموارد اللازمة، وإعادة تشغيل المدارس، وحماية المؤسسات التعليمية، وضمان وصول الخدمات التعليمية إلى جميع الأطفال دون تمييز.
أطراف النزاع
يجب أن تلتزم جميع الأطراف باحترام القانون الدولي الإنساني، وعدم استهداف المدارس أو استخدامها لأغراض عسكرية، والسماح بوصول المساعدات التعليمية، وضمان وصول الأطفال والمعلمين إلى المدارس بأمان.
المجتمع الدولي
أبدى المجتمع الدولي إدراك الكارثة، وعقد مجلس الأمن في السابع من أغسطس 2026 اجتماعاً تحت ما يُعرف بصيغة أريا التي تعقد خارج إطار الاجتماعات الرسمية للمجلس.
قالت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد إن ما لا يُقل عن 8 ملايين طفل في سن الدراسة لا يزالون خارج المدرسة، وإن التأثير غير متناسب على ملايين الأطفال النازحين خاصة من يلتمسون الأمان خارج السودان.
منذ عام 2024، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 67 هجوماً على المدارس بأنحاء السودان، فيما تم الإبلاغ عن أكثر من 154 حالة استخدام عسكري للمدارس. وأكدت نائبة الأمين العام أن الأمم المتحدة وشركاءها تمكنوا من إعادة أكثر من مليون طفل سوداني إلى شكل من أشكال التعلم، ولكنها شددت على عدم كفاية ذلك، وعلى أن الوقت قد حان لوقف الحرب وإبعاد السودان عن حافة هاوية فقدان جيل آخر من أطفاله.
ينبغي على الأمم المتحدة، واليونيسف، واليونسكو، والبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، والمانحين الدوليين، أن ينظروا إلى التعليم باعتباره تدخلاً منقذاً للحياة، وأن يرفعوا حجم التمويل المخصص للتعليم في حالات الطوارئ، وأن يدعموا بناء نظام تعليمي قادر على الاستمرار في ظروف النزاع.
المنظمات الوطنية والدولية
ينبغي أن تتوسع برامج التعليم في الطوارئ، وأن تدمج خدمات الحماية والدعم النفسي مع التعليم، وأن تعمل بالتنسيق مع المجتمعات المحلية لضمان وصول الخدمات إلى الأطفال الأكثر هشاشة.
القطاع الخاص
يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دوراً محورياً عبر دعم إعادة تأهيل المدارس، وتمويل المنح الدراسية، وتوفير التكنولوجيا، وخدمات الإنترنت، والمعدات التعليمية، باعتبار ذلك جزءاً من مسؤوليته المجتمعية.
المجتمع المحلي
تمثل لجان الأحياء، والإدارات الأهلية، والقيادات الدينية، ومنظمات الشباب والمرأة، ركيزة أساسية في إعادة الأطفال إلى المدارس، والحد من التسرب، وتشجيع الأسر على استمرار تعليم أبنائها، خاصة الفتيات.
الأسرة
تبقى الأسرة خط الدفاع الأول عن حق الطفل في التعليم. ورغم الظروف الاقتصادية القاسية، فإن الإصرار على إبقاء الطفل في مسار التعلم هو استثمار في مستقبله ومستقبل الوطن.
التعليم يجب أن يكون بنداً أساسياً في مفاوضات السلام
من أكبر الأخطاء أن تركز مفاوضات السلام على الترتيبات العسكرية والسياسية وحدها، بينما يتم تأجيل قضايا الأطفال والتعليم إلى مراحل لاحقة. إن أي اتفاق سلام لا يتضمن خطة واضحة لإعادة ملايين الأطفال إلى المدارس، وتمويلاً محدداً لذلك، وجدولاً زمنياً للتنفيذ، سيكون اتفاقاً ناقصاً يترك جذور الأزمة قائمة.
يجب أن يصبح التعليم بنداً دائماً في جميع مفاوضات وقف إطلاق النار، واتفاقيات السلام، وخطط التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، لأن الاستثمار في تعليم الأطفال هو الاستثمار الحقيقي في السلام المستدام.
دعوة إلى خطة وطنية عاجلة
يحتاج السودان اليوم إلى إعلان “حالة طوارئ تعليمية وطنية”، تتبناها الدولة بالتعاون مع الأمم المتحدة، والشركاء الدوليين، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، لإطلاق خطة إسعافية عاجلة تستهدف جميع الأطفال خارج المدارس.
وينبغي أن تحدد هذه الخطة أهدافاً قابلة للقياس، تشمل إعادة أكبر عدد ممكن من الأطفال إلى التعليم خلال العام الأول، وتقليل معدلات التسرب، وتوسيع برامج التعليم المعجل، وتأهيل المدارس، وضمان وصول الخدمات إلى الأطفال في مناطق النزاع والنزوح.
إن تكلفة إعادة الأطفال إلى المدارس، مهما بلغت، تظل أقل بكثير من تكلفة تركهم خارجها. فكل طفل نفقده اليوم من التعليم قد نخسره غداً لصالح الفقر، أو العنف، أو الجريمة، أو الهجرة، أو التطرف. أما كل طفل يعود إلى مقعده الدراسي، فهو خطوة جديدة نحو سودان أكثر أمناً وعدالة واستقراراً.
إن معركة السودان الحقيقية ليست فقط معركة إنهاء الحرب، وإنما أيضاً معركة حماية الإنسان السوداني. ولا توجد وسيلة أكثر فاعلية لحماية مستقبل البلاد من ضمان حق كل طفل في التعليم. فالتعليم ليس رفاهية تؤجل إلى ما بعد الحرب، بل هو الطريق الأقصر إلى السلام، وأقوى استثمار في إعادة بناء الوطن، وأهم ضمانة لعدم تكرار مآسيه.
#تعليم #السودان #أطفال_السودان #طوارئ_تعليمية #الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #مستقبل_الجيل

Leave a Reply