مرض الجدري في الحيوانات والإنسان: رؤية علمية في إطار الصحة الواحدة

صحيفة الهدف

(Pox Diseases in Animals and Humans – One Health Perspective)
أ.د.شادية أحمد لازم

مقدمة
يُعدّ مرض الجدري من الأمراض الفيروسية القديمة التي رافقت الإنسان والحيوان عبر التاريخ، وخلّفت آثارًا صحية واقتصادية كبيرة، خصوصًا في المجتمعات الزراعية والرعوية. وينتمي هذا المرض إلى مجموعة فيروسات الجدري (Poxviruses) التابعة لعائلة (Poxviridae)، وهي فيروسات قادرة على إصابة طيف واسع من الكائنات الحيّة، بما في ذلك الإنسان والحيوانات الداجنة والبرية. ويُعد هذا المرض نموذجًا واضحًا لمفهوم “الصحة الواحدة” One Health الذي يربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة.
المسبب المرضي (Etiology)
تنتج أمراض الجدري في الحيوانات عن عدة أنواع من فيروسات الجدري الحيواني (Animal Poxviruses) من أبرزها:
فيروس جدري الأغنام (Sheep Pox Virus)وفيروس جدري الماعز (Goat Pox Virus) وفيروس جدري الأبقار (Cowpox Virus) وفيروس الجدري الكاذب في الأبقار وفيروس الأورف أو الإكثيما المعدية (Orf Virus / Contagious Ecthyma Virus) .
أما في الإنسان، فقد كان فيروس الجدري البشري (Variola Virus) هو المسبب لمرض الجدري (Smallpox) والذي تم القضاء عليه عالميًا عام (1980) بفضل برامج التطعيم.
طرق العدوى في الحيوانات (Transmission in Animals)
ينتقل فيروس الجدري بين الحيوانات عبر عدة طرق، أهمها: الاحتكاك المباشر بالحيوانات المصابة (Direct Contact)، والإفرازات التنفسية (Respiratory Secretions)، والأدوات والمعدات الملوثة مثل أدوات الحلب والحظائر (Fomites)، إضافة إلى الحشرات الناقلة ميكانيكيًا مثل الذباب والبعوض (Mechanical Vectors)، وكذلك البيئة الملوثة بالقش أو الفرشة الحاوية للفيروس.
الأعراض في الحيوانات (Clinical Signs in Animals)
تبدأ الأعراض عادةً بارتفاع درجة الحرارة (Fever)، وفقدان الشهية (Anorexia)، والخمول العام. ثم تظهر آفات جلدية تمر بمراحل متتابعة تبدأ بحطاطات (Papules) ثم تتحوّل إلى حويصلات (Vesicles) تليها بثرات قيحية (Pustules)، وتنتهي بتكوّن القشور (Scabs)
في الأبقار، تتركّز الآفات غالبًا على الضرع والحلمات (Udder and Teats) مما يسبب صعوبة في الحلب وانخفاض الإنتاج. أما في الأغنام والماعز فتظهر حول الفم والأنف والجفون والأعضاء التناسلية.
انتقال المرض إلى الإنسان (Zoonotic Transmission)
تنتقل بعض فيروسات الجدري الحيواني إلى الإنسان ضمن الأمراض المشتركة (Zoonotic Diseases)، وذلك غالبًا عبر الاحتكاك المباشر بالحيوانات المصابة، أو ملامسة الآفات الجلدية والقشور، أو التعرّض للإفرازات أثناء الحلب أو الذبح، خاصة عند وجود جروح أو خدوش في الجلد.
الأعراض في الإنسان (Clinical Signs in Humans)
تظهر العدوى عادةً كآفة جلدية موضعية تبدأ كبقعة حمراء، ثم تتحول إلى حويصلة (Vesicle)، فبثرة قيحية (Pustule)، قبل أن تتكوّن قشرة (Crust). وقد يصاحب ذلك ارتفاع طفيف في الحرارة (Mild Fever)، وتضخّم العقد اللمفاوية (Lymphadenopathy)، مع شعور عام بالتعب. وغالبًا ما تكون العدوى محدودة وتشفى تلقائيًا خلال أسابيع.
العلاج (Treatment)
لا يوجد علاج نوعي مباشر لمعظم فيروسات الجدري الحيواني، لذلك يعتمد العلاج على الرعاية الداعمة. في الحيوانات يشمل ذلك العزل الصحي (Isolation)، واستخدام المطهرات الموضعية (Topical Antiseptics)، وإعطاء المضادات الحيوية (Antibiotics) للوقاية من العدوى البكتيرية الثانوية.
أما في الإنسان، فيتم تنظيف الآفات وتعقيمها واستخدام مراهم مضادة للبكتيريا مع علاج الأعراض المصاحبة.
الوقاية (Prevention)
تشمل الوقاية في الحيوانات التطعيم (Vaccination) في المناطق الموبوءة، والحجر البيطري (Quarantine)، والتطهير المستمر للحظائر (Disinfection)، ومكافحة الحشرات (Vector Control)
أما في الإنسان فتشمل ارتداء القفازات الواقية (Protective Gloves)، وغسل اليدين جيدًا بعد التعامل مع الحيوانات، وتغطية الجروح قبل العمل مع الحيوانات.
الآثار الاقتصادية (Economic Impact)
يسبب مرض الجدري خسائر اقتصادية ملحوظة في قطاع الثروة الحيوانية، تشمل انخفاض إنتاج الحليب (Milk Production Loss)، وفقدان الوزن وضعف النمو (Weight Loss) وارتفاع معدلات النفوق خاصة في صغار الحيوانات، إضافة إلى تكاليف العلاج البيطري والقيود التجارية على حركة الحيوانات ومنتجاتها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.