عادل أحمد محمد
يشهد العالم اليوم تحوّلا جذريًا في مراكز الثقل الاقتصادي، حيث انتقلت بوصلة القوة من المقرّات التقليدية في واشنطن وبروكسل إلى الممرّات التجارية والاستراتيجية في الشرق والجنوب العالمي. وفي خضمّ هذا التحوّل، يجد السودان نفسه أمام فرصة تاريخية ومخاطر وجودية في آنٍ واحد، فالموارد الهائلة التي يمتلكها لم تعد مجرد أرقام في ميزانيات محلية، بل أصبحت وقودًا لصراع الأقطاب على تأمين خطوط الإمداد وسلاسل الغذاء العالمية.
إنّ السيادة الاقتصادية التي ننشدها لا تتحقّق بانتظار منح البنك الدولي أو وعود الاستثمارات الغربية المشروطة بالتبعية السياسية، بل تبدأ من فهم الواقع الجديد، حيث أصبح الشرق (الصين، روسيا، الهند) يتعامل بمنطق الندّية والمصالح المشتركة. فالنموذج الشرقي يعتمد على تطوير البنية التحتية والممرّات اللوجستية، كطريق الحرير الجديد، وهو ما يتوافق مع حاجة السودان الماسّة لتحدّيث قطاعاته الحيوية من طرق وجسور وموانئ، بعيدًا عن سياسات العقوبات والابتزاز التي انتهجها الغرب لعقود.
لكن، وبالنظر إلى واقعنا الحالي، فإنّ استغلال هذه الموارد يتطلب إدارةً وطنيةً صارمة، وسيادةَ قانونٍ تحمي الشراكات الدولية وتمنع تبديد الثروات. فالمعسكر الشرقي يبحث عن الاستقرار لضمان تدفق استثماراته، وهذا الاستقرار لا يُبنى إلا على أسسٍ هندسية واقتصادية متينة، تقوم على استغلال الموارد الخام محليًا بدلًا من تصديرها بأسعار زهيدة. إنّ توطين الصناعات التحويلية هو المفتاح لكسر طوق التبعية، وتحويل السودان من ساحة صراع إلى مركز ثقل في الاقتصاد العالمي الجديد.
إنّ التحدّي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم هو كيف نخرج من عباءة الاقتصاد الرعوي التقليدي إلى اقتصادٍ استراتيجي يعرف كيف يوظّف الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية كأوراق ضغط سياسية واقتصادية. فالعالم في عام (2026) لا يحترم الضعفاء، ولا يعترف بالحياد السلبي، بل يحترم الدول التي تمتلك الرؤية والقرار، وتعرف كيف تختار حلفاءها بناءً على المصالح الوطنية العليا.
إنّ انبعاث السودان اقتصاديًا يبدأ من التحرّر الذهني من القيود التقليدية، والتوجّه بجرأة نحو شراكات استراتيجية تقوم على العلم والهندسة والإنتاج. فالنيل الذي يجري في أرضنا، والمعادن التي تزخر بها جبالنا، تمثل رهاننا الحقيقي في معركة الوجود القادمة، شرط أن تُدار بعقول وطنية لا تعرف الانكسار، وأيادٍ لا تمتد إلا للبناء.

Leave a Reply