عبد الله رزق أبو سيمازة
أدت الحرب اللعينة، التي تكمل عامها الثالث وتخطو نحو الرابع، ضمن كوارث أخرى، إلى تأجيل احتفال رابطة الجزيرة للآداب والفنون بمرور نصف قرن على ميلادها، فيما كان الجوار يعتمل بتهيؤات ميلاد ثانٍ لرابطة سنار الأدبية، بدءًا بتكريم رائدها “القبطي الأخير في المشهد الثقافي السوداني”، وهو حدث جدير بالحفاوة لما له من مغزى عظيم الأهمية.
فالرابطة، وهي تغالب ظروف تغييبها القسري، قد عادت مؤخرًا، وهي تحشد قواها لاستعادة حضورها اللافت في الفضاء الرقمي، ابتداءً لاستئناف مسيرتها في دعم الإبداع والمبدعين، وكدلالة على حيوية الجزيرة ومثقفيها منذ عهد الجمعية الأدبية، التي يمكن رؤيتها، أيضًا، وهي تنبعث من رماد النسيان، عائدة من جديد، وإن في شروط مختلفة، ببساطة، لأن التاريخ، وفق غيفارا، مثل الطبيعة، لا يقبل الفراغ.
ومن الممكن في هذا السياق تقدير واقعة قيام روابط وجمعيات عدة في أنحاء مختلفة من البلاد، التي رافقت نشوء الرابطة لأول مرة مطلع سبعينيات القرن الماضي.
لقد ارتبط قيام التجمعات الثقافية منذ القديم غالبًا “أبوروف، الهاشماب، الجمعية الأدبية.. وغيرها” بمنعطفات هامة في مسار التطوّر الوطني. فهي لم تنشأ من فراغ، إذ كانت، في أدنى تقدير، صرخة ضد السكون، وانعتاقًا من السائد وتطلّعًا للجديد.
لقد بدا لي ذات يوم أن عودة الجمعيات والروابط الأدبية إلى ساحة الفعل والنشاط يمكن أن يكون طريقًا ووعدًا بتجديد الحركة الوطنية بعد أن شاخت وهرمت. وذلك على الرغم مما ظهر من افتقار الخريجين لأدوات تنزل مشروعاتهم الحداثوية من سماء اليوتوبيا إلى أرض الواقع، وتوزعهم، من ثم، كنخبة فاشلة تحت عناوين: المستقلين والمحايدين والكفاءات.. وغيرها بين القيادات التقليدية، مدنية وعسكرية.
ومن الممكن القول إن عودة رابطة الجزيرة للآداب والفنون في ظل الظروف الراهنة لا تخلو من بشرى وارهاص باستعادة المثقفين كشريحة اجتماعية متميزة، تحمل مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا لأخذ مكانها ودورها في ريادة التغيير، على مستوى الوعي وتجديد الحياة.

Leave a Reply