بروفايل: عبد الرحمن بلّاص.. التفاني في خدمة التراث والثقافة

صحيفة الهدف

ندى أوشي
ولد عبد الرحمن وقيع الله عبد الرحمن، المعروف باسم عبد الرحمن بلّاص، عام 1937 في حي السقّاي الريفي بمدينة مروي، تلك البيئة التي تشكّل فيها وعيه الأول، وتكوّن صوته الداخلي وحسّه الفني وذائقته الثقافية. تلقّى تعليمه الأولي والوسطى في مدينته، وعمل في مراحل مختلفة جنديًا، ثم موظفًا بالطيران المدني، وصحفيًا، قبل أن ينحاز بكليّته إلى عالم الفن والتراث. منذ صباه المبكر، لازم جدّه حسين ود الهرم، صاحب الصوت الرنّان، الذي كان يردّد مدائح حاج الماحي بأسلوب أخّاذ، فنهل منه أنغام الطنبور والألحان الشعبية، لترسخ في داخله البنية الموسيقية والصوتية التي ستشكّل لاحقًا مشروعه الفني، ويغدو الإرث الشعبي جزءًا أصيلًا من كيانه.

مع مطلع الخمسينيات، حمل بلّاص تراث منطقته وإيقاعاتها المتنوعة، وسعى إلى نقله من إطاره المحلي إلى فضاء أوسع عبر إذاعة أم درمان، فبلغ صوته آفاقًا بعيدة، مدفوعًا برغبة عميقة في حفظ التراث الشعبي وصونه. ولم يكتفِ بالأداء الغنائي، بل انخرط في جهد بحثي ميداني، متنقّلًا بين المناطق، منقّبًا في خبايا الثقافة السودانية، جامعًا الروايات الشفاهية والأشكال التعبيرية، ما أسهم في إثراء المكتبة السودانية بأكثر من عشرة مؤلفات في التراث والثقافة، إلى جانب مجموعات قصصية لم تُطبع بعد. ومن أبرز مؤلفاته (المرتبة وقصص أخرى)، و(من المخلاية) بأجزائه، و(الأبونية)، و(نماذج بشرية)، و(أنغام طمبور)، و(تعاملت معهم)، و(صور وحكايات من تراث الشايقية الشعبي)، و(الزواج عند الشايقية زمان).

بدأ مشواره الإذاعي فعليًا في أوائل الستينيات عبر برنامج (صفحات على الهواء) الذي كان يقدّمه محمد الفيتوري، حيث تناولت الحلقة فنون الغناء في منطقة الشايقية، وقدم خلالها نماذج غنائية لاقت استحسانًا واسعًا، لتتوالى بعدها مشاركاته، وكانت أولى أغنياته الإذاعية (الشفة) للشاعر حدربي محمد سعد. وقد أسهمت قراءاته الواسعة، خاصة في الشعر، في تشكيل ميزانه النقدي، فكان كاتبًا بوعي فني قبل أن يكون مغنيًا، وجاءت أغانيه ذات مضامين اجتماعية، عاكسةً هموم المجتمع وأفراحه، ومرتبطة بوجدانه اليومي.

وفي سياق إسهامه المؤسسي، شارك بلّاص مع عبدالرحمن حمزة ومحمد إبراهيم الحتيكابي في إصدار مجلة (كل الفنون) من مواردهم الخاصة، لتكون أول مجلة فنية متخصصة في السودان، لعبت دورًا مهمًا في تنشيط الساحة الثقافية قبل أن تتوقف لأسباب مادية. كما كتب في عدد من الصحف والمجلات، منها (الأيام)، و(الصحافة)، و(الصراحة)، و(الأحرار)، و(هنا أم درمان)، و(الشباب والرياضة)، حيث تميّز بأسلوبه السلس وقلمه الملتصق بقضايا الناس، متابعًا مشكلاتهم وساعيًا إلى طرح حلولها.

وكان بلّاص أحد مؤسسي الفرقة القومية للفنون الشعبية عقب تأسيس معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية، وتولّى فيها مهام الإشراف والإدارة، وعمل مع خبير روسي في شؤون الرقص، فبلغت الفرقة مستوى عاليًا من الانضباط والتميّز. إلا أن تغيّر الإدارة بعد مغادرة الخبير أدّى إلى تراجعها، في سياق يعكس هشاشة البنية المؤسسية للعمل الثقافي آنذاك.

وفي امتداد لرؤيته، أسّس في الستينيات فرقة راقصة ضمّت خمسة عشر شابًا وسبع نساء من الموهوبين، وقدّمت عروضًا على خشبة المسرح القومي، محقّقة حضورًا لافتًا، قبل أن يتوقف نشاطها نتيجة تغيّر سياسات إدارة المسرح. كما طرح مبادرة لتأسيس فرق فنون شعبية في مراكز الشباب، انطلاقًا من قناعته بأن المدن تحتضن تنوعًا ثقافيًا يمكن تحويله إلى طاقة إبداعية منظّمة، وقد نجحت التجربة في مركز شباب بحري، لكنها توقفت بسبب ضعف التمويل.

تميّز بلّاص بغزارة إنتاجه الغنائي، ومن أشهر أغانيه (الشفة)، و(وين زولي)، و(صابرة)، و(قمر سماه)، و(بلادي أنا تكرم الضيف)، و(عيون الصيد)، و(يا ناري)، و(عشا البايتات)، و(بلالي يا بلالي)، و(ما جاءنا القمر)، و(خمج ألْمِي)، و(وين فرحة قلبي)، و(قولوا إن شاء الله خير)، و(عجبني ليك)، و(ليل الغربة طال)، و(سار الحننو)، و(أحبك يا زمن)، و(ليه الزمن)، و(جانا العيد)، و(يامريسيل)، و(ما بضيق)، و(نحبّك يا بلدنا)، و(نسمة). وقد اعتمد على إيقاعات الدليب والجابودي والعرضة والرترتو، ضمن منظومة الطنبور، ما رسّخ مكانته في الوجدان الموسيقي الشعبي السوداني.

ارتبط بلّاص بعلاقات ثقافية وفنية مع عدد من رموز السودان، من بينهم الطيب صالح ومحجوب كرار، كما امتدت صلاته إلى أسر حاج الماحي وأجيالها، في سياق تواصلي يعكس انغراسه في بيئة التراث الروحي والثقافي. وعلى المستوى الشخصي، تزوّج من السيدة عائشة محمد أحمد، وأنجب بناته رجاء ومهيرة ونجلاء وخالدة وصفاء، وعُرف بلقب (أبو البنات)، وقد أولاهن عناية خاصة في التعليم والتنشئة، فبرزن في مجالاتهن المختلفة.

استقر منذ الخمسينيات في حي الديوم ببحري، ثم انتقل إلى حي الحاج يوسف، حيث ظلّت أسرته تقيم، محافظةً على إرثه الثقافي. وفي يوم الخميس الرابع من مايو عام 2017، رحل عبد الرحمن بلّاص، تاركًا خلفه رصيدًا ثريًا من الإبداع الفني والبحثي، ومثالًا ناصعًا للمثقف العضوي الذي جمع بين الفن والمعرفة والعمل الميداني، ليبقى اسمه علامة مضيئة في تاريخ التراث والموسيقى الشعبية في السودان.

بلادي أنا

قصيدة بلادي أنا كتب كلماتها الشاعر المجيد إسماعيل حسن، ولحنها وغنّاها أولًا الفنان عبد الرحمن بلّاص، الذي برع في نقل روح الأغنية بإيقاعاتها الشعبية السودانية، خصوصًا الطنبور والدليب والجابودي، فكانت الأغنية قريبة من التراث والأرض. بعد ذلك غنّاها الفنان عثمان اليمني وأضاف لمساته الصوتية الخاصة، ثم سلّمها الشاعر إسماعيل حسن للفنان عبد الرحمن عجيب، وقام بتلحينها الفنان ميرغني النجار، وأدّتها فرقة تماسيح الحامداب (عبد الرحمن عجيب وميرغني النجار والمجموعة). تتميز الأغنية بأنها تجسد حب السودان بأرضه وشعبه وعاداته، وتقدم صورًا حية للحياة اليومية، مثل النخلات، خيل الشايقية، المزارع، ومياه النيل، كما تنقل قيم الكرم والتضحية والارتباط بالأرض عند أهل السودان. وقد استُخدمت الأغنية في مناسبات وطنية لتأكيد الهوية السودانية، ونجحت في الوصول إلى قلوب المستمعين عبر مزج النص الشعري الأصيل بالموسيقى التراثية.

بلادي أنا.. بلاد ناسًا في أول شيء
مواريثهم كتابُ الله،
وخيلٌ مشدود، وسيفٌ مسنون حداه درع
تقاقيبا تسرج الليل مع الحيران،
وشيخًا في الخلاوي ورِع
وكم نخلات تهبهب فوق جروف الساب،
وبقرة حلوبة تتضرّع وليها ضرع
وساقيتن تصحّي الليل مع الفجراوي..
يبكي الليل ويدلِّق في جداولُه دمع
يخدِّر في بلادي سلام..
خُضرتن شاربي موية النيل تزغرد في البوادي زرع
وتدفّق مياه النيل على الوديان،
بياض الفضة في وهج الهجير بيشع
بلادي سهول، بلادي حقول،
بلادي الجنة للشافوها، أو للبرة بيها سمع
تشيل الناس، وكل الناس، وساع بخيرها لينا يسع
بلادي أنا بلاد ناسًا تكرم الضيف
وحتى الطير يجيها جيعان، ومن أطراف تقيها شبع
بلادي الصفقة والطنبور، وداراتن تنح في الليل
وبنوتًا تحاكي الخيل، يشابن زي جدي الريل
وشبالن مكنّتل في طريفو ودَع
بلادي بلاد من التاريخ، من ترهاقا لحد ميسنا
وحتى الجاي عبر الوادي خيل ودروع
بلادي أمان، وناسها حُنان، يكفّفوا دمعة المفجوع
يبدّوا الغير على ذاتن، يقسمو اللقمة بيناتن
ويدّوا الزاد، حتى إن كان مصيرن جوع
يحبوا الدار، يموتوا عشان حقوق الجار
ويخوضوا النار عشان فد دمعة
وكيف الحال كان شافوها سايلي دموع
ديل أهلي، البقيف في الدارة وسط الدارة،
وأتنبر وأقول للدنيا ديل أهلي
عرب ممزوجة بدم الزنوج الحارة، ديل أهلي
ديل قبيلتي، لمّا أدور أفصّل للبدور فصلي
أسياد قلبي والإحساس، وسافر في بحار شوقن زمان عقلي
أقول بعضي، ألاقيهم تسرّبوا في مسارب الروح، بقوا كلي
محل قبلت ألقاهم معاي، معاي زي ضلّي
لو ما كنت من زي ديل، كان أسفاي وأسفاي، وآمأساتي وآ ذلي
تصوّر كيف يكون الحال لو ما كنت سوداني،
وأهل الحارة ما أهلي
تصوّر كيف يكون الحال؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.