الرجل الذي يُربّي الضوء في العتمة: علي الريح السنهوري.. سيرةُ وطنٍ كلّما انكسر نهض فيه

صحيفة الهدف

الخرطوم: عمر سفيان
في حضرة سيرة الأستاذ علي الريح السنهوري، نحن لا ندوّن مجرّد وقائع عابرة أو تواريخ صمّاء تذروها الرياح، بل نحن بصدد اقتفاء أثر رجلٍ استثنائيّ، تعلّم من رمال (الأبيض) ولفح هجيرها كيف يكون الصمود طبعًا لا تطبّعًا، ومن عتمة الزنازين الرطبة كيف ينسج الضوءَ بيقينٍ لا يتزعزع. هو ذاك الذي عبر العقود بقلبٍ أخضر لا يشيخ، وعقيدةٍ قوميّة لم تنحنِ يومًا لعواصف الانقلابات العاتية، يسير بهدوء الواثقين بين حقول الألغام السياسيّة، زاهدًا في بريق الحضور الإعلاميّ الخادع، مسكونًا بوجع أمّةٍ كبرى يراها تمتدّ من النيل الخالد إلى الفرات الصابر.
وهج أبيض كردفان
في الثاني عشر من سبتمبر لعام (1946)، تنفّست مدينة (الأبيّض) عبق ميلادٍ كان مقدّرًا له أن يغيّر وجه الخارطة النضاليّة في السودان. هناك، في تلك الحاضرة الكردفانيّة التي تمنح أبناءها بأس الشجر وصلابة الصخر، رضع السنهوري لُبان القوميّة العربيّة الأوّل. صقلته سنوات الدراسة في مدارسها العريقة، فبرز منذ نعومة أظفاره قائدًا باحثًا عن هويّة أمّته المفقودة وسط ركام التجزئة.
انخرط في صفوف (الاشتراكيّين العرب) وهو لم يزل غضّ الإهاب في مرحلة التعليم الثانويّ العالي، لتتّحد ملامحه الشخصيّة بملامح القضيّة الكبرى، ويتحوّل منذ أواخر الستينيّات إلى ركيزةٍ لا تميد في بنيان الحزب، مطوّرًا خبراته في العمل التنظيميّ والعقائديّ، ليصبح مسؤولًا يقود الخطى على مستوى القطر السودانيّ بأسره، مؤمنًا بأنّ الفكرة هي القلعة التي لا تُقتحم.
تراتيل الحرّية
لم يكن النضال عند السنهوري يومًا ترفًا فكريًّا أو وجاهةً سياسيّة، بل كان ضريبةً باهظة الثمن دفعها من رصيد سنوات عمره بلا تردّد أو منّ. واجه جبروت نظام مايو (1969–1985) بصلابةٍ أسطوريّة؛ إذ لم تكد تمرّ عامان على الانقلاب حتى غُيّب خلف القضبان في يوليو (1971)، ليمكث عامًا كاملًا في مواجهة الجلّاد.
وما إن استردّ أنفاسه تحت شمس الحرّية، حتى عاد القيد ليلتفّ حول معصمه ثانيةً في سبتمبر (1972)، حيث واجه حكمًا جائرًا بالسجن لخمس سنوات، قضاها متنقّلًا بين جدرانٍ أرادوا لها أن تكون مقبرةً لطموحه، فجعل منها منارةً لفكره. ولأنّ الروح الحرّة تأبى الحبس، فقد اجترح رفاقه معجزة الوفاء النادرة حين انتخبوه عضوًا في قيادة الحزب (المؤتمر الرابع) وهو قابعٌ في غياهب السجن، ليفكّ أسر القيادة قبل أن يُفكّ أسره الشخصيّ في مايو (1975)، خارجًا من عتمة الزنزانة بشموخٍ لم تنل منه السنون، ليواصل قيادة العمل السرّيّ والعلنيّ بكفاءة الربّان الذي خبر الأنواء.
الأمّة وطنًا بلا حدود
حين ضاقت عليه الأرض بما رحبت في السودان عقب حركة (28 رمضان 1990) الأليمة، كانت بغداد هي الملاذ والمنبر والميدان الذي يُختبر فيه معدن الرجال. هناك، ارتقى سدّة (القيادة القوميّة) في المؤتمر القوميّ الثاني عشر، ولم يكن السنهوري يومًا ضيفًا عابرًا أو لاجئًا يبحث عن أمانٍ شخصيّ، بل كان شريكًا أصيلًا في صياغة المصير القوميّ.
شهد (أمّ المعارك) الخالدة، وصمد في وجه (الحواسم) عام (2003) تحت وطأة أضخم غزوٍ واحتلالٍ شهدته المنطقة في العصر الحديث. ثبت في قلب العاصفة حين اهتزّت الكثير من العروش والنفوس، ولم يغادر تراب العراق الذي أحبّه إلّا بعد أن أتمّ مهمّته المقدّسة في رتق النسيج التنظيميّ وإعادة ترتيب صفوف الحزب تحت أزيز الرصاص وقصف الطائرات، مبرهنًا للعالم أجمع أنّ المناضل (البعثيّ) لا يعرف معنى الغربة في أيّ أرضٍ تنطق بالضاد، وأنّ دمه فداءٌ لكلّ ذرّة ترابٍ عربيّة.
من العتمة إلى أعناق الثوّار
ثلاثون عامًا عجافًا من صقيع نظام (الإنقاذ) لم تكسر لعليّ الريح السنهوري قناة، ولم تُثنِ له عزيمة. ظلّ يتنفّس الحرّية من رئة العمل السرّيّ الشاق، متواريًا عن أعين الأجهزة الأمنيّة المتربّصة، بخبرة الثائر العتيق الذي يتقن فنّ البقاء وفنّ المواجهة في آنٍ واحد.
وحين تفجّر بركان غضب الشعب في ديسمبر (2018)، لم يكتفِ بالتوجيه من خلف الستار، بل تقدّم صفوف الثوّار بجسده النحيل وعزيمته التي تهزّ الجبال، وذلك في شارع القصر التاريخيّ يوم (25 ديسمبر). دفع ضريبة هذا الموقف الشجاع (99) يومًا من الأسر المتواصل، لم يزدد خلالها إلّا إيمانًا بحتميّة السقوط للدكتاتوريّة.
وحين لاحت بشائر النصر في أغسطس (2019)، تجلّت أسمى آيات التقدير الشعبيّ حين حُمل على أعناق الجماهير الهادرة في يوم توقيع الوثيقة الدستوريّة، ليظهر للعالم كأيقونةٍ حيّة للخلاص الوطنيّ، ومفاوضًا حكيمًا يجمع بين صرامة المبدأ العقائديّ وبين مرونة السياسيّ الذي يضع مصلحة الشعب السودانيّ فوق كلّ اعتبار.
الزهد الصوفيّ في حضرة الواجب المقدّس
منذ أن تسلّم أمانة السرّ في المؤتمر الخامس عام (2007)، خلفًا للراحل الكبير بدر الدين مدثّر، وصولًا إلى تجديد الثقة المطلقة به في المؤتمر السادس عام (2013)، ظلّ السنهوري هو المحرّك الصامت والربّان الهادئ الذي يقود سفينة البعث وسط أمواج السياسة السودانيّة المتلاطمة.
هو (رجل التنظيم) الذي لا يُضاهى، يؤمن إيمانًا عميقًا بأنّ القلاع الحقيقيّة لا تُبنى بضجيج الميكروفونات أو بريق الشاشات، بل بالبناء التنظيميّ الدؤوب والعمل القاعديّ الصبور. سكنه تواضع الزهّاد وحكمة العارفين، حتى لربّما ظنّه الغريب رجلًا عاديًّا يمرّ في الزحام، بينما هو، في حقيقة الأمر، (دينامو) الحركة والعمود الفقريّ الذي يستند إليه الحزب في أصعب لحظات تاريخه.
إنّه القائد الذي يبثّ الطمأنينة في نفوس رفاقه بكلمةٍ رصينة وموقفٍ حازم، لا يبتغي جاهًا ولا سلطة، بل يسعى لمجد أمّةٍ يراها واحدةً لا تقبل القسمة على اثنين.
الثبات في زمن الرماد
حين اشتعلت نيران الحرب الأخيرة في السودان، وصمتت الكثير من الأصوات أو انحرفت عن جادّة الصواب، ظلّ موقف عليّ الريح السنهوري ثابتًا كالجبال الرواسي. انحيازٌ أخلاقيّ وتاريخيّ مطلق لخيارات الشعب في السلم والحرّية، وإصرارٌ لا يلين على ضرورة محاسبة كلّ من تلطّخت يداه بدم الأبرياء أو أجرم في حقّ الدولة السودانيّة.
هو الوفاء لتراب الوطن الذي لم يخنه يومًا، ولم يساوم عليه في أسواق النخاسة السياسيّة. لقد عبر السنهوري “كرونولوجيا” طويلة من القهر والقيد، من سجون السبعينيّات إلى زنازين الألفيّة الجديدة، وصولًا إلى تغييبه صبيحة انقلاب (25 أكتوبر 2021)، وفي كلّ مرّةٍ كان يخرج فيها، كان يبرهن أنّ السجن لا يزيد الفكرة إلّا اشتعالًا في الوجدان، وأنّ الجدران قد تحبس الجسد، لكنها تعجز عن محاصرة الحلم القوميّ العظيم.
عليّ الريح السنهوري.. ليس مجرّد قياديّ في حزب، بل هو أثرٌ خالد ورسمٌ بالقلم لشخصيّةٍ نحتتها المحن فصارت ذهبًا خالصًا. سيرةٌ تُقرأ كقصيدةٍ عن الصمود، وتُروى كحكايةٍ عن الصبر الجميل، لتُلهم أجيالًا قادمة بأنّ طريق الحقّ، وإن طال وتعدّدت فيه المحطّات الدامية، هو الطريق الوحيد الذي يليق بالإنسان.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.