كلمة العدد: نيسان (أبريل).. انبعاثُ الأمّة في خاصرة المستحيل

صحيفة الهدف

بين نيسان الميلاد ونيسان الانتفاضة، خيطٌ سرّيٌّ لا تدركه إلّا القلوب التي تعمّدت بنار الموقف. تسعةٌ وسبعون عامًا، والحلمُ يمشي على حدّ الموس؛ لا التعبُ نال من خطى البعثيّين، ولا السجونُ استطاعت أن توصد أبواب الفكرة. نحن لا نحتفل بمرور الزمن، بل نحتفل بالقدرة على اجتراح الحياة من قلب الرماد، وبإصرار هذا (البعث) على أن يظلّ ضميرًا مستترًا في كلّ صرخة حرّية، وفعلًا مضارعًا في كيمياء الثورة.

لقد كان نيسان دومًا موعدنا مع القيامة؛ ففي مثل هذه الأيّام ولد البعث الشامخ عام 1947م.. ومن بعد في عام 1985، كان السودان يغسل وجهه بماء (مارس – أبريل) الطهور. كانت الخرطوم حينها لا تنام، وكان صوت الجماهير يرتفع ليشقّ سديم الدكتاتوريّة، في ملحمةٍ عبقريّةٍ انصهرت فيها إرادة الشعب بعنفوان الفكرة القوميّة. إنّها تلك اللحظة الفارقة التي أثبتت أنّ الشعوب، حين تقرّر الانبعاث، لا تملك القيود إلّا أن تتكسّر، ولا تملك العروش إلّا أن تتهاوى كقصور الرمل أمام مدّ اليقين.

نقف اليوم، والذاكرة مثقلةٌ بالوجع والحنين، لنؤكّد أنّ انحيازنا لانتفاضة أبريل لم يكن مجرّد حدثٍ عابرٍ في أجندة السياسة، بل كان تجسيدًا لجوهر (البعث) في صيرورته الشعبيّة. هو ذاك العهد الذي قطعناه على أنفسنا: أن نكون حيث يكون الشعب، وأن تظلّ بوصلتنا مشيرةً أبدًا نحو كرامة الإنسان العربيّ، من ضفاف النيل التي شهدت زحف الثوّار، إلى كلّ شبرٍ يرفض الذلّ في أمّتنا الكبرى.

في هذه الذكرى، لا نحتاج إلى خطبٍ رنّانة، بل نحتاج إلى استعادة تلك الروح التي جعلت من المستحيل ممكنًا. نحتاج إلى نيسانٍ يزهر في عقولنا وعيًا، وفي سواعدنا حشدًا، لنكمل المسيرة التي بدأت بحلم، ومرّت بدم، وستنتهي حتمًا بنصرٍ يليق بصبر هذا الشعب وعظمة هذا الحزب.

كلّ نيسان والأمّة بخير.. كلّ أبريل، والحرّية هي المبتدأ والخبر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.