موتي بأفواه العصافير

صحيفة الهدف

محمد عزوز

هناك النهر، يا فاتنة،
يا امرأتيِ الورقية،
امرأتي التي أخلقها في الليل
كإلهٍ ذو مزاج أسمر،
وأحطمها في الصباح كجندي مضطرب.
أقول لكِ الآن،
والساعة الواحدة تأكل الساعة التي قبلها،
وهي أيضًا ستؤكل حتمًا.
أقول لكِ إنني حزين، وأشعر بالبرد،
بالبرد والخوف، وبعض الحنين
إلى لحظةٍ عالقة في أقمصة النسيان.
البحر مكبّل مثلي بالماء والبرد،
وبعض الجثث،
والليل مكبّل بالرصاص،
والنافذة تُصفّر للجنود،
الجنود الذين مضغوا المدينة كالمقرمشات،
والأطفال كالتحلية،
ومساء المدن السعيدة كالشواء.
أقول لكِ يا فتاتي، تعالي،
أنتِ من تُجيدين فك أزرار أحزاني،
تفتحين البثور الشقية
على شهوتي الجائعة لأبتلاع النجوم،
وأنا الشاعر الهاذئ،
أسمي بثورك قتلى صغار نسيت أيدي السماء رفعهم،
أسمي نهديكِ أشرعة ماكرة تتكور نكاية بالسفر،
أسمي سرتك قبري الصابر على جبني.
حدثيني عن وقتك في النسيان،
حين لم أقل لكِ “كن”،
حين لم تُخلقي،
حين كنتُ أشك في أنني أيضًا خُلقت.
فتاتي الورقية،
هل سمعتي عن الأشجار المدمّاة،
الأشجار التي شاهدت جثثًا، تُمزّق بخفة حطاب،
الأشجار التي من فرط الرعب
وزّعت نفسها للطاولات والنوافذ؟
هل سمعتِ عن الجوع؟
عن امرأة أمسكت أقمصة المسدسات بلهجة مكسورة،
أمسكتها طلقة، تلو طلقة،
تسأل عن يد ابنها؟
هل سمعتِ عن العشب قرب النهر،
العشب الذي غير لونه للأحمر، مدعيًا الموت؟
هل سمعتِ عن الجوع،
القمح الذي تسلل من بين الأفواه،
الزيت الذي اُعتصر من عرق أناس فرّوا زاحفين،
الخبز الذي طُحن باللعاب؟
هل سمعتِ عن الموتى،
الموتى الذين نجوا من الحرب،
الموتى الذين سردوا فواجعهم
بأفواه العصافير؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.