حين لم يكن لدينا ترف الانهيار

صحيفة الهدف

د.حنان الهادي

في المقالين السابقين، توقّفنا عند جيلين يملآن المشهد صخبًا وحضورًا: جيل يحاول أن يعيد تعريف العالم، وجيل يحاول أن يجد مكانه فيه. تحدثنا عن الطموح والقلق، عن الحرية والبحث عن المعنى، وعن صدام الأحلام مع الواقع، لكن قبل كل ذلك.. كان هناك جيل عظيم وقف في المنتصف.
جيل لم يرفع شعارات كثيرة، ولم يشتكِ بصوت عالٍ، لكنه حمل التحولات الكبرى على كتفيه بصمت. جيل عبَر من عالمٍ إلى عالم، ومن زمنٍ إلى زمن، دون أن يُمنح فرصة التوقف.
اليوم نتوقف عنده.. لنفهمه كما يستحق. إنه Generation X، الجيل الذي وُلِد بين 1965 و1980، والذي يتراوح عمر أفراده اليوم تقريبًا بين منتصف الأربعينيات وبداية الستينيات.
هذا الجيل لم يولد رقميًا، لكنه لم يتقاعد قبل أن يصبح رقميًا أيضًا. تعلّم أن يضغط الأزرار في عمرٍ كان يبحث فيه عن الاستقرار، لم يتصدر المنصات، لكنه يتصدر الآن مواقع القرار.
الجيل الذي عاش انتقال العالم
عالميًا، نشأ جيل X في زمن التحولات الكبرى: نهاية الحرب الباردة، صعود العولمة، التحول من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد المعرفة، دخول الإنترنت إلى الحياة اليومية، وتراجع فكرة “الوظيفة مدى الحياة”.
رأوا آباءهم يعملون في وظائف مستقرة لعقود، ثم شهدوا بأنفسهم انهيار هذه الفكرة. تعلّموا مبكّرًا أن الأمان ليس دائمًا مؤسسيًا.. بل شخصي. لذلك صاروا عمليين، حذرين ماليًا، يعتمدون على أنفسهم ويفكرون دائمًا في “الخطة البديلة”.
جيل X في السياق العربي.. عبور مضاعف
في الوطن العربي، القصة أعمق. جيل X لم يعش فقط تحولات اقتصادية عالمية، بل عاش أيضًا :تحولات سياسية حادّة، حروبًا ممتدة، أزمات اقتصادية متكرّرة، موجات هجرة واسعة، وتغيّرات اجتماعية متسارعة.
هو الجيل الذي درس في أنظمة تعليم تقليدية، ثم وجد نفسه في سوق عمل عالمي مفتوح. الجيل الذي بدأ حياته المهنية في مؤسسات محلية، ثم اضطر إلى إعادة تعريف ذاته في المنافي.
كثيرون منهم هاجروا مضطرين لا مختارين، أعادوا بناء حياتهم من الصفر في دول جديدة. حملوا مسؤولية أسر ممتدة، ودعموا آباءهم وأبناءهم في الوقت نفسه. هم الجيل “الوسيط” الذي يحمل على كتفيه جيلين.
في الحرب.. وفي الشتات
في سياقات الحروب، جيل X غالبًا هو من يتخذ قرار الخروج، من يبيع الممتلكات لينقذ الأسرة، من يقف في طوابير السفارات، ومن يبدأ عملًا جديدًا بعد الأربعين. ليسوا جيلًا رومانسيًا في سرد المعاناة، ولا بارعين في تحويل الألم إلى محتوى. لكنهم بارعون في تحويل الأزمات إلى حلول عملية.
في الهجرة، هم من: يقبل بوظيفة أقل من خبرته مؤقتًا، من يعيد دراسة لغة جديدة، يتأقلم مع ثقافة مختلفة، ويحرص على ألا يشعر أبناؤه بالاقتلاع.
بناء الأسر.. بصمت طويل
جيل X تحديدًا هو جيل “العمود الفقري” للأسرة، تحمل مسؤولية:
– تعليم الأبناء في ظل ارتفاع التكاليف.
– رعاية الوالدين مع تراجع أنظمة الضمان.
– التوازن بين قيم تقليدية وعالم أكثر انفتاحًا.
هو الجيل الذي تعلم الطاعة، ثم اضطر أن يربي أبناء يسألون “لماذا؟”. لم يكن أمامهم دليل إرشادي للتربية في عصر الإنترنت، لكنهم تعلّموا بالمحاولة والخطأ.
في مواقع القيادة اليوم، جيل X يشغل:
– مواقع إدارية عليا.
– مناصب قيادية في المؤسسات.
– مواقع اتخاذ القرار في القطاعين العام والخاص.
وهو مطالب بأن: يفهم لغة جيل Z، أن يمنح المرونة التي لم يحصل عليها، وأن يتبنّى مفاهيم حديثة مثل الاستدامة والشفافية والتأثير الاجتماعي، وأن يدير فرقًا متعدّدة الثقافات والأعمار.
هو الجسر بين عالمين: عالم التناظر والورق، وعالم الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
قوة جيل X ليست في الصخب، بل في القدرة على الاحتمال. ليس في كثرة الظهور، بل في الاستمرارية. ليس في التمرّد العالي الصوت، بل في إعادة البناء بكل هدوء. هو الجيل الذي لم يملك رفاهية الانهيار الطويل، لأن خلفه دائمًا من يعتمد عليه.
هل ننتبه لهم بما يكفي؟
في الخطاب العام، غالبًا ما يُنظر إليهم كجيل “منتصف الطريق”. ليسوا شبابًا، وليسوا كبارًا. لكن الحقيقة أنهم الجيل الذي دفع ثمن التحولات الكبرى، وعبر بها إلى بر الأمان النسبي.
هم من عاش العالم قبل الإنترنت، وتعلّم العيش بعده. من عرف الوطن مستقرًا، ثم عرفه مهجورًا أو متغيرًا. من بدأ الحياة بخطط واضحة، ثم أعاد كتابتها مرات عديدة.
جيل X ليس جيلًا انتقاليًا فقط.. بل جيل تأسيسي جديد. جيل أعاد تعريف معنى القوة: ليست في الضجيج، ولا في الاستعراض، بل في القدرة على الوقوف، والاستمرار، وبناء سقف يحتمي تحته الآخرون.
ليسوا الأكثر حماسًا، ولا الأكثر تنظيرًا، لكنهم غالبًا من يبقون حتى النهاية: من يدفعون الأقساط، من يلتزمون بالوعود، من ينهضون في الصباح حتى لو لم يناموا جيدًا.
بالمقارنة مع جيل Y وZ، قد يبدو عالمهم أقل رومانسية، لكن الحقيقة أن هذا الجيل عاش في زمن كان الخطأ فيه مكلّفًا جدًا. لم يكن هناك زر “إعادة المحاولة” بسهولة. لذلك لم يكن لديهم ترف الانهيار.. لأن أحدًا كان يجب أن يبقى واقفًا.
واليوم، ربما آن الأوان أن يتعلموا شيئًا جديدًا لم يُسمح لهم به في شبابهم: أن التعب ليس ضعفًا، وأن طلب المساندة لا يسقط الهيبة، وأن من حمل الجميع، يستحق أن يُحمل ولو مرة.
فالجيل الذي لم يكن لديه ترف الانهيار.. يستحق أخيرًا ترف الراحة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.