لن أكونَ رمادًا لحبٍّ أعرج

صحيفة الهدف

بُشرى نصير
كاتبة من اليمن

تركتُك.. لا لأنَّ القلبَ جفَّ، بل لأنَّه كان فيّاضًا حدَّ الغرق. كان يمشي نحوك كجدولٍ متهوّر، ينسى ضفافَه ويظنّ أن البحرَ أمانُه الوحيد.
تركتُك حين أدركتُ أنني أقف على مفترقٍ موجع: إمّا أن أربحَ قلبك وأخسرَ نفسي، أو أحفظَ كرامتي تاجًا فوق رأسي وأمضي، وإن نزف الشوقُ في صدري.
كنتُ كلما اقتربتُ منك شعرتُ أن ظلي يتضاءل، وأن صوتي يهمس بعد أن كان نشيدًا، كأن الحبَّ صار ريحًا تعصف بستائري الداخلية، تبعثر اتزاني وتسرق مني ملامحي واحدةً تلو الأخرى.
لم أتركك لأنني قاسية، بل لأنني رأيتُ كرامتي تبكي في زاوية قلبي، تمدّ يدها إليَّ وتقول: “لا تجعلي من نفسكِ جسرًا يعبره أحد ثم ينسى الطريق”. كنتُ أستطيع أن أبقى، أن أتشبّث بطيفك كما تتشبث الورقةُ بغصنها في آخر الخريف، لكنني أدركتُ أن الريح أقوى، وأن الورقة إن لم تسقط بكرامتها ستمزّقها العواصف.
تركتُك والقلبُ فيّاضُ مشاعرٍ إليك، لكنني أغلقتُ أبوابَه برفق، كي لا يتحوّل الحبُّ إلى صدقة، ولا يتحوّل الشوقُ إلى استجداء. اخترتُ أن أكون امرأةً تمشي على جمر الفراق ولا تنحني، أن أبكي في صمتٍ يشبه المطر، ولا أبيع كبريائي في سوق العاطفة.
فالحبُّ إن لم يكن شمسًا تدفئ الطرفين صار نارًا تحرق طرفًا واحدًا، وأنا لم أُخلق لأكون رمادًا في قصةٍ لم تُكتب بحبرٍ عادل. تركتُك.. لكنني لم أترك نفسي، وما بين خسارة قلبٍ وحفظ روحٍ تعرف قدرها اخترتُ أن أبقى كاملةً، ولو كان الثمنُ وجعًا يعزف في داخلي لحنًا حزينًا لا ينتهي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.