د.الشيخ فرح
موسى رجل مربوع القامة، نحيف الجسم، غائر العينين، أكثر ما يميز وجهه ثلاثة شلوخ رفيعة في كل جانب من صدغيه، نتيجة وجع أصابه في عينيه منذ الصغر وكاد أن يعميه، ففصدوا صدغه من الجانبين. شفيت عيناه، وبقيت الفصدات تذكره بوجع العيون، كلما نظر في المرآة أو مرر يده بجانبي وجهه عند الوضوء أو عند التعب الشديد. يعمل موسى في دكانه الصغير في طرف مدينة من مدن الأقاليم، لا يغلق دكانه في صيف أو شتاء، يبدأ في الصباح الباكر وينتهي بعد أن يأوي الناس إلى فراشهم. يصفه جاره صديق بأنه حلو اللسان، شديد الهمة، لا يقعده واجب ولا تفوته مناسبة. لاحظ صديق قلة كلام موسى وسرحانه الكثير في الأيام الأخيرة، وحينما استفسره عن حاله رد قائلاً: لقد رأيت رؤيا أخافتني. فقد رأى عقرباً أسود لدغه في يده. ضحك صديق مخففاً عليه قائلاً: يا رجل، عقارب في المدينة؟ دي كوابيس ساي. تكرّرت بعد ذلك نفس الرؤيا عدة مرات، بتفاصيل مختلفة، تنتهي دائماً بلدغة العقرب الأسود. وفي إحدى هذه الرؤى، رأى موسى تفاصيل المكان بدقة، إذ بدت التربة مشابهة للتربة الصحراوية وبها احمرار ملحوظ. ليس ذلك فحسب، بل سمع أصوات صخب شديد ومجادلة بين أناس لم يتبين له تفاصيل أشكالهم أو ألوانهم، لكنه خيّل لهم أنهم يساومون على بيع أو شراء. وشاهد بعينيه كل هذه التفاصيل بدقة متناهية، وقبل أن يصحو أمسك بيد أحد هؤلاء الناس وسأله مباشرة: أين نحن؟ قال الرجل، وكان طويلاً جداً ويلبس جلباباً أبيض وعمامة صغيرة ويظهر عليه تعب السفر: أنت بالمويلح. لم يكن موسى قد زار المويلح من قبل، ولم يسمع بها إلا لَماماً. كل ما شاهده خارج مدينته الريفية هو الخرطوم ومطارها، وتحديداً مدينة الحجاج قبل سبع سنوات حينما سافر إلى الحج. سأل جاره صديق عن المويلح، ولكن صديقاً ليس بأفضل من موسى في معرفة الأماكن البعيدة عن مدينتهم، إلا أنه أشار إلى الترزي عثمان، وهو من منطقة الفولة. فقال عثمان، دون أن يرفع رأسه عن ماكينة الخياطة: إنها منطقة تبعد عن أم درمان حوالي مئة كيلو شمالاً. أخذ موسى كل تلك التفاصيل وذهب إلى الشيخ عبد الله، إمام المسجد، المأذون والمفتي والمفسر للأحلام. وجد الشيخ عبد الله متربعاً على كرسيه العالي بالمسجد الكبير. رفع الشيخ عينيه وتنحنح حينما رأى موسى يتجه نحوه، وبدأ بتقليب أوراق الكتاب الذي بين يديه متصنعاً الانشغال بما يقرأ. وانحنى موسى بتذلل واضح، وقرّب فمه من أذن الشيخ هامساً: عندي سؤال خاص يا شيخ. رد الشيخ: تفضل. قص موسى رؤيته على الشيخ، الذي أنصت مقرّباً أذنه لموسى وناظراً للجهة الأخرى. رد عليه الشيخ بخمس كلمات لم يزدهن: سوف تقرصك عقرب في منطقة المويلح. وأغلق الكتاب بصوت مسموع، كأنه ينهي جلسة بعد تلاوة حكم في محكمة كبرى. خرج موسى من عند الشيخ وهو يطنطن: المويلح؟ شنو البوديني ليها.. الشيخ دا فاكي صامولة؟ ولكن في قرارة نفسه أقسم أنه لن يخرج من مدينته، ولن يسافر إلى العاصمة، ولن يرى أم درمان بعد اليوم، ناهيك عن المويلح التي تبعد مئة كيلو كما قال عثمان الترزي. وأقسم أنه لن يتكلم عن هذه الرؤى بعد ذلك. الحمد لله، انقطعت بعد ذلك الرؤى أو الأحلام أو الكوابيس، لا نعلم أيها أصدق، فكأنما أفرغ موسى خوفه وتوجسه في أذن الشيخ، وأغلق صفحة أقلقته وشغلته لفترة طويلة. ورغم عدم اقتناعه بتفسير الشيخ، إلا أن ذلك أراح باله، فإذا كانت المشكلة عقرباً كانت أو ثعباناً، فإنها ستقع بالمويلح، إذن لن يذهب إليها، وكفى. مرّت الأيام والشهور، ونسي موسى موضوع الرؤى تماماً، وانغمس في تفاصيل الحياة، تغلبه حيناً ويغلبها أحياناً أخرى. دخل عليه جاره صديق ذات يوم منشرحاً وقال له: اليوم عازمك كبدة إبل. رد موسى رافعاً حاجبيه: كبدة إبل؟ لم يتذكّر موسى متى آخر مرة تناول فيها كبدة الإبل. تململ موسى رافضاً العرض ومتحجّجاً بعدم ترك الدكان، فالأيام آخر الشهر وسيأتي الزبائن لتسديد ديونهم. إلا أن إصرار صديق حسم رفضه، فنادى موسى على صبيه أن ينتبه للدكان حتى يرجع. وصل الاثنان إلى السوق، وأخذا الجانب الخارجي من المطعم، وجلسا بمحاذاة الشارع. كان السوق يعج بالزبائن، والسابلة يغدون ويروحون أمامهم بأصواتهم وضجيجهم الذي لا ينقطع. توقف أعرابي بجمله أمام المطعم، ونادى صاحب المطعم ليشتري منه الحرجل والعطرون. وقف صاحب المطعم مشيراً بالنفي، فنظر الأعرابي بتوسّل إلى موسى وصديقه ليشتريا منه. وقف موسى وقال للأعرابي: اديني حرجل. أخذ الأعرابي يكيل في الحرجل. تحرّك موسى نحوه وأخرج محفظته، وحينما وقف أمام الأعرابي، تحرك الجمل بمؤخرته وأصبح محاذياً لموسى يكاد يلتصق به. وضع موسى يده على لبدة الجمل ليبعده عنه قليلاً، فوخزه شيء من لبدة الجمل. أحس موسى بالألم الشديد، وظن أن ما وخزه هو شوكة أو سريحة من لبدة الجمل، لكن حينما أمعن النظر وجد عقرباً أسود على لبدة الجمل رافعاً ذيله في تحفّز واستعداد. قال موسى للأعرابي: أنت من وين جاي؟ رد الأعرابي دون أن ينظر إليه: من المويلح.
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #الشيخ_فرح #قصة_قصيرة #إبداع_سوداني #أدب #السودان #٢٠٢٦

Leave a Reply