ثقافة عسكرة العقل والمجتمع وآثارها

صحيفة الهدف

محمد الأمين أبو زيد

تعني ثقافة عسكرة العقل والمجتمع انتشار المنطق العسكري في مجالات الحياة اليومية، بمعنى أن طريقة التفكير العسكري تسود السياسة والتعليم والإعلام والحياة الاجتماعية. للأسف، هذا ما ظل يطبع الحياة في السودان لعقود طويلة، جراء سيطرة الانقلابات العسكرية على المسرح السياسي وخروج الجيش عن مهامه الدستورية. من مظاهر عسكرة العقل وتنميطه: هيمنة الخطاب الأمني وتبرير كل شيء تحت شعار الأمن على حساب الحقوق والحريات، وتقديس القوة العسكرية وتصويرها كحل نهائي. ومن آثار عسكرة الحياة اجتماعياً: ضعف الثقة بين الأفراد، وانتشار الخوف والشك، وتراجع قيم التسامح والتعايش، وزيادة وتائر العنف. أما سياسياً، فتتمثل في تقييد الحريات العامة وحرية التعبير، وإضعاف المشاركة السياسية، وتكريس الاستبداد تحت شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة). ونفسياً، تظهر عسكرة العقل في القلق الجماعي، وتطبيع العنف، وتبلد المشاعر تجاه المعاناة الإنسانية. أما ثقافياً وفكرياً، فتؤدي إلى تراجع الإبداع والفكر النقدي. يرى الفيلسوف الألماني كانط أن الإنسان يجب أن يُعامل دائماً كغاية في ذاته، لا كمجرد وسيلة. أما عسكرة العقل، فتعكس هذه القاعدة رأساً على عقب، فيصبح الإنسان “الجيد” من وجهة نظرها هو المطيع لا المسؤول. هنا، لا يُقاس الفعل على أساس ما هو عادل أو إنساني، بل على أساس الأمر والأمن، وهو ما سمته حنة أرنت بـ “تفاهة الشر”، التي تفصل الفعل عن المسؤولية. ويقول هابرماس إن عسكرة المجتمع تعني نهاية العقل التواصلي، ويرى أن المجتمع السليم يقوم على الحجة والتوافق العقلاني، وأي مجتمع تُدار أزماته بالسلاح هو مجتمع ما قبل حداثي أخلاقياً. ويؤكد نيتشه أن العسكرة هي أخلاق القطيع، التي تنتج إنساناً مطيعاً، متشابهاً، وخائفاً من الاختلاف. وعنده، الدولة التي تكثر من الحديث عن النظام هي دولة تخشى الإنسان الحر. أما ميشيل فوكو، فيرى أن العسكرة هي شبكة ضبط، لا تحتاج إلى جيش أو دبابات، بل تعمل عبر المراقبة والتطبيع والانضباط، فتجعل الإنسان يشعر أن أي خروج عن النظام يشكّل خطراً. إن عسكرة العقل وتنميطه والهيمنة عليه تنتج رواية واحدة، وصوتاً واحداً، وذاكرة واحدة. ففي الوقت الذي تُدعى فيه حماية المجتمع، تضعف الثقة، وتدمر السياسة، وتفرغ الأخلاق، وتقتل المجتمع. وهي خطر على البشرية، التي تُقاس قدراتها العقلية بقدرتها على تحمل المسؤولية. إن سرديات الـ ح.رب التي تدور في بلادنا للأسف، تكرّس هذه الثقافة، وتنتج أناساً لا يفكرون ولا يملكون وقتاً للتأمل، ويتحولون إلى كائنات مجترة، يموت عندها الإبداع والمبادرة.

#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الأمين_أبو_زيد #فكر #نقد #عسكرة_العقل #السودان #لا_للـ_ح.رب #٢٠٢٦

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.