الرواية السودانية بين ثراء التجربة وفقر التراكم

صحيفة الهدف

زكريا نمر
كاتب من جنوب السودان

المشكلة ليست في فقر تجربة الرواية السودانية، بل على العكس، السودان يمتلك واحدة من أغنى وأعقد التجارب الإنسانية والسياسية في المنطقة العربية. حروب ممتدة، دولة مازومة، انقسامات هووية، تصدعات مركز وهامش، عنف رمزي ومادي، وانكسار متواصل لفكرة الوطن. كل هذه عناصر تشكل مادة روائية خام من الطراز الأول، لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب الألم، بل في كيفية تحويل هذا الألم إلى مشروع سردي تراكمي، لا إلى نصوص متفرقة ومعزولة.
السودان أنجب روايات مهمة وأصواتًا لافتة، لكن ما لم يتشكل هو مشروع روائي متكامل بالمعنى العميق للكلمة. لم تتكوّن حالة سردية تتحاور فيها النصوص مع بعضها، وتشتبك مع التاريخ بوصفه بنية قابلة للتفكيك، لا مجرد خلفية للمعاناة. النصوص غالبًا فردية، تكتب من العزلة، ولا تراكم وعي سردي مشترك، لذلك تبقى منقطعة الأثر، مهما كانت صادقة أو قوية.
تلعب البنية الثقافية دورًا حاسمًا في هذا الغياب. الثقافة السودانية شفوية وشعرية بامتياز، تمجد الوجدان والإيقاع واللحظة، بينما الرواية تحتاج إلى نفس طويل، ومسافة من العاطفة، وقدرة على التحليل والتشريح. في كثير من الأحيان يتم اختزال التجربة في الانفعال، لا في تفكيك البنية التي أنتجت هذا الانفعال، فتتحول الكتابة إلى شهادة وجدانية لا إلى عمل سردي قادر على مساءلة العنف والسلطة والذاكرة.
السياسة في السياق السوداني لم تتحول إلى مادة فنية، بل بقيت سقفًا خانقًا. الكاتب غالبًا محاصر بين الخوف والخطاب الأخلاقي والغضب المباشر، فينتج إما نصًا خائفًا، أو خطابًا سياسيًا مقنعًا بلغة أدبية، أو كتابة احتجاجية تفتقر للبناء الجمالي. الرواية لا تزدهر تحت الشعارات ولا تحت الوعظ، بل في منطقة الشك والتناقض والأسئلة المؤلمة التي لا تقدم إجابات سهلة.
يضاف إلى ذلك الغياب شبه الكامل للمركز الثقافي الحاضن. لا مؤسسات ثقافية مستقرة، لا سوق نشر حقيقي، لا نقد أدبي فاعل، ولا نقاش عام يراكم التجربة. الكاتب يكتب بلا صدى، بلا مساءلة، وبلا حوار، فتظل التجربة فردية مهما كانت كثيفة. الرواية لا تولد فقط من الموهبة، بل من بيئة تسمح بالخطأ والتجريب والتراكم.
ثم هناك التهميش العربي المركب. حتى حين تُكتب رواية سودانية قوية، غالبًا ما تُستقبل بوصفها وثيقة عن المعاناة أو شهادة إنسانية، لا بوصفها عملًا فنّيًا كاملًا. المركز الثقافي العربي لا يزال ينظر إلى السودان من زاوية السياسة والكارثة، لا من زاوية الإنتاج الرمزي والمعرفي. هذه عنصرية ثقافية ناعمة، لا تُعلن عن نفسها، لكنها تعمل بفعالية على إقصاء السرد السوداني من الفضاء العربي الواسع.
ولا يمكن تجاهل أزمة اللغة السردية نفسها. التردد بين الفصحى والعامية، أو السقوط في لغة تقريرية مباشرة، أو تقليد نماذج روائية عربية جاهزة، كلها عوامل تضعف النص. الرواية الكبرى لا تستعير لغتها، بل تخلقها من رحم التجربة، كما فعل الطيب صالح حين جعل المحلية مدخلًا إلى الكونية.
الحل لا يكون في انتظار رواية عظيمة واحدة، بل في تشكل وعي سردي جماعي. نحتاج إلى انتقال من كتابة الألم إلى تفكيك الألم، من سرد ما حدث إلى مساءلة كيف ولماذا حدث، ومن نصوص معزولة إلى مشاريع تلاحق أسئلة كبرى عبر الزمن. نحتاج إلى تحرير الرواية من الخطاب السياسي المباشر، وإعادة الاعتبار للنقد الأدبي، والكتابة من عمق التجربة لا طلبًا لاعتراف المركز.
التجربة السودانية لم تفشل سرديًا، لكنها لم تتحول بعد إلى مشروع روائي عربي واسع الحضور. ما ينقصها ليس المادة، بل الوعي، والصبر، والبنية الثقافية التي تسمح للألم أن يتحول إلى معرفة، وللمعاناة أن تصير فنًّا قادرًا على البقاء.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.