بين راية الاستقلال وركام الحـ.ـرب: سؤال الوطن الذي لم يكتمل

صحيفة الهدف

أمجد السيد

في اليوم الأول من يناير، نرفع راية استقلال الســودان، كما أرادها الشاعر الراحل الدكتور عبد الواحد عبد الله يوسف، رايةً خفاقة لا تكتفي بالرمز، بل تستدعي المعنى، ولا تكتفي بالغناء، بل تطالب بالوفاء. نشيد الاستقلال ليس مجرد قصيدة وطنية تُردد في المناسبات، بل وثيقة وجدانية تختصر حلم شعب خرج من قبضة الاستعمار وهو يظن أن الحرية بداية الخلاص، لا بداية اختبار طويل ومؤلم. حين كتب عبد الواحد عبد الله يوسف: “اليوم نرفع راية استقلالنا ويسطر التاريخ مولد شعبنا”، كان يعلن ميلاد أملٍ جماعي، لا ميلاد دولة مكتملة. فالتاريخ — كما نعلم اليوم — لا يُسطر دفعة واحدة، بل يُكتب بالدم، بالخيبات، وبالأسئلة المؤجلة.

منذ الاستقلال، لم يعرف السـ.ـودان استقراراً يليق بتضحيات من غرسوا النواة الطاهرة كما قال النشيد. تعاقبت الحكومات، وتبدلت الشعارات، لكن جوهر الأزمة ظل ثابتاً: دولة لم تُحسن إدارة تنوعها، ونخبة لم تنجح في تحويل الاستقلال السياسي إلى مشروع وطني جامع. الحـ.ـروب التي اندلعت في الأطراف لم تكن طارئة، بل كانت نتيجة مباشرة لفشل المركز في الإنصات، ولعجز الدولة عن تحقيق العدالة والمواطنة المتساوية. اليوم، ونحن نحيي ذكرى الاستقلال تحت أزيز الرصاص، يبدو السؤال أكثر قسوة: هل استقل الســودان حقاً، أم تبدلت فقط أشكال الوصاية؟ فالراية التي رُفعت في 1956، ظلت معلقة بين السماء والأرض، لا تسقط ولا تكتمل.

الحـ.ـرب الحالية ليست حدثاً معزولاً عن هذا التاريخ، بل هي ذروته المأساوية. إنها حصاد عقود من إقصاء السياسة، وعسكرة الدولة، وتغييب الإرادة الشعبية. وحين نسمع في النشيد: “كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية”، نتساءل بحزن: كيف تحولت ذاكرة المقاومة إلى واقع اقتتال؟ وكيف صار السـ.ـلاح الذي وُجه يوماً ضد الغزاة، يُرفع اليوم في وجه الوطن؟

معاناة السـودانيين منذ الاستقلال ليست فقط معاناة فقر أو نزوح أو حـ.ـرب، بل معاناة حلمٍ مؤجل؛ حلم الدولة التي تحمي أبناءها، لا التي تتركهم فرائس للجوع والرصاص؛ حلم الوطن الذي يكون ملاذاً لا مقبرة، كما حلم به الشعراء والمناضلون. وفي المقطع الوجداني من القصيدة، حين يقول: «فدى لعيني طفلة غازلت دموعها حديقة في الخيال»، نرى وجوه أطفال اليوم، في المخيمات، في المنافي، تحت القـ.ـصف؛ أطفال لم يعرفوا من الاستقلال سوى الأغاني، ولم يذوقوا من الوطن سوى الخوف. كأن الشاعر — قبل عقود — كان يرى هذا المشهد، ويترك لنا مرآة لا مهرب منها.

ذكرى الاستقلال هذا العام ليست مناسبة للاحتفال فقط، بل لحساب الضمير؛ أن نسأل: ماذا فعلنا بتضحيات من رحلوا؟ وماذا تبقى من حلم السـ.ـودان أرض السؤدد؟ ورغم كل هذا الركام، يبقى الأمل ممكناً. فالتاريخ — كما يعلمنا — لا ينتهي عند الهزائم. راية الاستقلال التي لم تسقط رغم العواصف، يمكن أن تُرفع من جديد، لا كرمز فقط، بل كمشروع؛ مشروع سـ.ـلام عادل، ودولة مدنية ديمقراطية، ووطن يسع الجميع. في ذكرى الاستقلال، لا نطلب معجزة، بل صدقاً مع الذات؛ أن نعيد تعريف معنى الاستقلال، لا كذكرى، بل كطريق؛ وأن نؤمن — رغم الحـ.ـرب — أن هذا الشعب الذي يسطر التاريخ مولده، قادر يوماً ما أن يكتب فصله الأخير: فصل الوطن الذي طال انتظاره.

 #ذكرى_الاستقلال #الســودان #راية_الاستقلال #أوقفوا_الحـ.ـرب #ملف_الهدف_الثقافي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.