كيف أخطأني القناص مرتين…!: حكايات من أيام الـ ح.رب في الجنينة

صحيفة الهدف

ترويها: نسرين عثمان عجيب

#ملف_الهدف_الثقافي

كنت مقيمة في الجنينة، أقصى غرب السودان، بحكم عملي مع منظمة إنسانية، وكان للمنظمة مكتب آخر في زالنجي أزورُه بانتظام. وعند اندلاع الـ ح.رب كنت أتهيأ للسفر إلى الخرطوم لقضاء عطلة عيد الفطر مع أسرتي. شاهدنا بداية الـ ح.رب في التلفزيون قبل أن نعيشها واقعًا بعد أيام.

في ثاني أيام العيد، دوّت أصوات الرصاص في المدينة ومحيطها. قيل إنها مناوشات عابرة، وساد الهدوء إلى ما بعد ظهر اليوم، لكن عند الثالثة صباحًا، بدّدت القذائف ما تبقى من ليل المدينة، معلنةً انتقال الـ ح.رب إلى الجنينة التي لم تكن مستقرة أصلًا. بدأت المواجهات على أسس عنصرية بشعة بين من يسمَّون “زرقة” ومن يُوصفونهم بـ”العرب”، واتسمت بالـ ق.تل والاغت.صاب والذ.بح، واستهدفت الجميع دون تمييز، حتى النازحين الذين أُحرقت معسكراتهم في أطراف المدينة.

عاشت الجنينة في جحيمٍ من الجوع والخوف، تتناثر الجثث في الشوارع دون أن يجرؤ أحد على دفنها، إذ كان من يحاول ذلك يُستهدف بالرصاص، خصوصًا إن كان الـ قتيل من قبيلة أخرى. فصار الناس يغطون الجثث بثياب أو أجولة ويلوذون بمنازلهم. سادت الكراهية والأحقاد القبلية، وتملّك الرعب النفوس، حتى صار شبح الموت حاضرًا في كل بيت.

اليوم الأول كان الأصعب، إذ لم يُنظَّم توزيع المعونات إلا بصعوبة بالغة. نقل الصيدلي الأدوية إلى منزله، فصار بيته مقصدًا لمن يجرؤ على الوصول إليه. أما الماء فقد انقطع مع الكهرباء وأُحرق المستشفى، فاشتدّ الحصار على الناس. اتُّفق على تسيير عربة “دفار” توزِّع جركانة ماء لكل أسرة، ثم زيد العدد بجهد شبابي شجاع، كلّف أرواحًا في سبيل جرعة ماء.

أشد أطراف الـ ح.رب بطشًا في الجنينة كانوا العرب القادمين من تشاد، المعروفين بـ”الفزع”. يسيطرون على المناطق الممتدة نحو الحدود، بينما يسيطر “الزرقة” على ما تبقى. أجسامهم ضخمة وشعورهم منكوشة، أصابعهم دائمًا على الزناد، في استعداد مستمر لإطلاق النار.

قضيت خمسةً وأربعين يومًا من الرعب، رأيت فيها من السلاح ما لم أره من قبل، حتى أصبحت أميّز أنواعه من صوته، ونجوت من الموت ثلاث مرات: مرتين من قناص، والثالثة أثناء هروبي من الجنينة إلى الفاشر. في رحلة الهروب، رافقت ثلاث أسر. سلكنا دروبًا قديمة مهجورة عرفها الناس من أسلافهم، وقطعنا خيرانًا ووديانًا سبقنا فيضانها بالماء، حتى وصلنا سرف عمرة بعد المرور بثلاث نقاط للدعم السريع. هناك كانوا يفتشون الركاب ويستجوبونهم حسب الملامح ولون البشرة وما يحملونه من متاع. رأيت بأم عيني كيف يُهان الناس على يد أطفال مسلحين بلا رحمة. ارتديت ثوبًا من طرازهم حتى لا يشكّوا فيّ أو يأخذوني رهينة.

في “سرف عمرة” نمنا في طرف السوق، حيث كان تبديل السيارات والسائقين ضروريًا في كل مرحلة. التقينا أفواجًا من الهاربين يخبروننا بالمناطق التي احترقت. بدأ الأمر في كاس ثم زالنجي ثم الفاشر. احتجنا ثلاثة أيام للوصول، أضاف السائق إليها يومًا عندما سلك طريقًا فرعيًا لتفادي كمين أُحرقت فيه حافلة.

لم تتوقف الـ ح.رب منذ اندلاعها. يبدأ إطلاق النار من أذان الفجر ويستمر حتى المساء، ولا يهدأ إلا عند العشاء. أصبحت الحركة بين الأحياء شديدة الخطورة بسبب القناصين المنتشرين في الشوارع الرئيسة، يستهدفون الشباب الذين يحرسون الأحياء. لم يسلم حتى النساء، بعد اكتشاف تهريب أسلحة بين أواني الماء على ظهور الحمير.

كنت أقيم مع أسرةٍ لها ابن متزوج في بيت قريب يفصلنا عنه زقاق ضيق. كنا نتناول الطعام بالتناوب بين المنزلين. ذات يوم، أردت العبور إلى بيتهم لتناول الإفطار، فأشرت إلى بعض الشباب في الزقاق أسألهم إن كان العبور آمنًا، فأشاروا أن أسرع. ما إن بدأت الجري حتى طار ثوبي من رأسي، وسمعت صوتًا حادًا وساخنًا قرب أذني، ثم وجدت نفسي بين الشباب الذين سحبوني بعيدًا. أخبروني أن رصاصة قناص أخطأتني، ووجدت في ثوبي أثر حريق. منذ ذلك اليوم لازمني صداع، وأدركت أن الموت كان على بُعد لحظة.

في المرة الثانية، كدت أُصاب مجددًا. كنت أعبر الشارع عندما سمعت صيحات الشباب: “احني رأسك!”، فانخفضت فورًا، ومرّت الطلقة فوقي. لم أشعر بالحرارة هذه المرة، لكني سمعت الصوت يخترق الهواء. كانت تلك آخر مرة أخرج فيها نهارًا لجلب الماء، فقد صارت الرحلة محفوفة بالموت، تعبرين خمس شوارع تمرين خلالها بنقاط حراسة يشرف عليها شباب الحي، يوقفون حتى النساء إن شكّوا في إحداهن.

أما المرة الثالثة، فكانت في طريق الهروب من الجنينة، عند ارتكازات الدعم السريع. هناك يُنزَل الركاب من السيارات، ويُعرَّضون للإذلال والاستجواب والسلاح مصوَّب إلى رؤوسهم. كان أحدهم يقول إن حياة الراكب لا تساوي أكثر من خمسين جنيهًا، هي ثمن الرصاصة. ترافقهم كلاب غريبة الشكل لا تقلّ فظاعة عن أصحابها.

وجّه أحدهم سلاحه إلى رأسي وسألني: “من أين جئتِ وإلى أين تذهبين؟” لحسن الحظ، كنت قد تعرفت على امرأة مسنّة تشبهني بعض الشيء، فادعيت أنها والدتي، وأنني أوصلها إلى بلدها ثم أعود. فصدّقني وسمح لي بالمرور، إذ كانوا يمنعون خروج الناس من البلاد نهائيًا.

كان ذلك في آخر نقطة تفتيش قرب نيالا، في الطريق إلى زالنجي. هناك وأنا أستجمع أنفاسي أدركت كم هو رخيص ثمن الحياة في زمن الـ ح.رب، وأن بين الإنسان والموت مجرد ضغطة زناد لا أكثر.

 #حكايات_من_الجنينة #السودان #الجنينة_في_الـحرب #نزوح #النجاة_من_الـقنص #نسرين_عثمان_عجيب #دارفور

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.